الاصوات والخيالات والوساوس .. مرضية ام شيطانية

            مرض الوسواس القهرى OCD هو احد الامراض النفسية الشائعة بصورة لم نكن نحيط بها من قبل حيث اعتقد الاطباء النفسيون انه من الحالات النادرة ، لكن الدراسات الحديثة تؤكد انه يصيب 3% من الناس .. وقد ارتبط هذا المرض في الاذهان بوساوس الشياطين بسبب التشابه بين مسمي “ الوسواس القهرى “ ووصف الشيطان “ الوسواس الخناس “ الذى ورد في القرآن الكريم ، لكن إذا علمنا ان الوسواس القهرى قد اصبح من الامراض التي تم كشف النقاب عن الكثير من اسرارها ، وان هذه الحالات لها علاقة ببعض المواد الكيميائية في المخ مثل مادة " السيروتونين " التي يتسبب اختلالها في اعراض الوسواس القهرى وهي :

  ¨  اعمال وسواسية في صورة تكرار افعال وطقوس لا معني لها مثل غسل الايدى ، او الطهارة عند ملامسة اى شئ ، او التمتمة بكلمات او اعداد معينة قبل بدء اى عمل ، او إعادة الوضوء عدة مرات قبل الصلاة .

  ¨  افكار وسواسية مثل الانشغال والاستغراق في التفكير في موضوعات تافهة وقضايا لا حل لها مثل مسألة البيضة والدجاجة ومن الذى اتي اولاً !؟ .. او البحث في شكل الشيطان وماذا يأكل وكيف يعيش ؟ .. او افكار دينية او جنسية لا معني لها تشغل التفكير وتعوق الشخص عن مزاولة حياته .

  ¨  مخاوف وسواسية لا اساس لها من اشياء ليست مصدر خوف علي الاطلاق .

            وكل هذه الصور لحالات الوسواس القهرى هي حالات مرضية يتعامل معها الطب النفسي حالياً بالعلاج الدوائي الذى يعيد الاتزان النفسي ونسبة الشفاء عالية حالياً باستخدام اجيال الادوية الحديثة ولا علاقة للشيطان بكل هذه الوساوس المرضية .

            اما الهلاوس Hallucinations فهي ان يتصور المريض انه يرى اشباحا او يسمع اصواتاً تتحاور معه او تهدده او تأمره بأن يفعل اشياء معينة ، وقد يفسر الناس ذلك بأن الشياطين هي التي تفعل ذلك ، لكن ومن وجهة نظر الطب النفسي هي وجود خلل في جهاز الاستقبال لدى المريض يجعله يستقبل صوراً واصواتاً لا وجود لها ، وهذه الحالات ايضاً تتحسن بالعلاج بالادوية الحديثة ولا دخل للشيطان في هذه الاعراض النفسية المرضية التي تحدث في مرضي الفصام والامراض العقلية الذهانية .

مرض الصرع .. ومس الشيطان :

            يعتبر الصرع من اكثر الامراض العصبية انتشاراً حيث يصيب 1% من الصغار والكبار، ومن اعراضه حدوث نوبات غياب عن الوعي قد تكون شديدة او خفيفة ، وفي حالة النوبة الكبرى يسقط المريض علي الارض في حالة تشنج يهتز لها كل جسده ويغيب عن الوعي نهائياً ولا يفيق الا بعد مرور وقت طويل وتتكرر هذه النوبات في اى وقت واى مكان ، وقد كان التفسير الشائع لهذه النوبات انها نتيجة مباشرة لمس الجن ، وكان بعض الناس يستندون الي التشبيه الذى ورد في آيات القرآن الكريم : " ... لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس " .. وظل مرض الصرع موضوعاً للكثير من الخرافات والأوهام ، وتعرض المرضي لكثير من الممارسات غير الطبية ظناً من الناس ان الارواح والشياطين وراء حدوثه حتي كشف الطب الحديث حقيقة هذا المرض .

            ونوبات الصرع كما تبين من خلال الابحاث الطبية هي نتيجة لخلل في موجات المخ الكهربائية نتيجة شحنات زائدة من بؤرة نشطة تسبب إثارة الخلايا العصبية وتحدث النوبة نتيجة لذلك ، ويمكن كشف ذلك ببساطة حالياً عن طريق جهاز رسم المخ EEG الذى يلتقط هذه الاشارات ويحدد شدتها ومكانها ، كما يمكن علاج حالات الصرع عن طريق الادوية التي تسيطر علي هذا الخلل الوظيفي في المخ ، ولا علاقة نهائياً للجن والشياطين والارواح الشريرة بهذا المرض كما كان يعتقد من قبل .

السحر ومس الجن:

        نذكر بعض الأحصائيات أن نسبة لا تقل عن 70% من المرضى النفسيين في مجتمعات العالم  الثالث يذهبون للعلاج لدى المشعوذين والسحرة والمعالجين الشعبيين قبل عرض حالتهم على الأطباء النفسيين ، وقد لاحظت ذلك من خلال عملى في العيادات والمستشفيات النفسية في مصر وفى بعض الدول العربية ، لدى هؤلاء المعالجين قدرة هائلة على التأثير في المرضى وأقاربهم حيث يتم إقناعهم بأن المشكلة هى سحر أسود أو “عمل “ قام به شخص أخر ليصيب المرض النفسى هذا المريض بالذات ، أو أن بداخل جسده جن من النوع الذى لايقبل التفاهم ، ويحتاج الأمر الى فك السحر أو إخراج الجن ، ويبدأ هؤلاء المشعوذين في عملية ابتزاز لضحاياهم بعد اقناعهم بذلك .

        لعل الأرتباط بين المرض النفسى وتأثير السحر ومس الجن هو أحد الأمور التى تثير الأهتمام، ذلك أنه في كثير من الأماكن التى أتيح لى العمل بها في مجال الطب النفسى كانت الخلفية الثقافية والعقائدية للناس تدفعهم الى الأعتقاد بأن الأمراض النفسية كالفصام والأكتئاب، والقلق ، وكذلك نوبات الصرع والعجز الجنسى أنما هى نتيجة لتأثير السحر ومس الجن ، وكان ذلك يدفعهم الى طلب العلاج لدى المشعوذين الذين يعدون القدرة على التعامل مع السحر والجن قبل التفكير في استشارة الأطباء النفسيين .

        وأذكر أننى قد استدعيت لمناظرة أحدى الحالات وكانت فتاة في العشرين وجدتها فاقدة الوعى وعلى جسدها آثار كدمات نتيجة لضرب مبرح ، ولما سألت أقاربها عن سبب ذلك قالوا أنها ظلت تعانى من التشنجات لعدة أيام فذهبوا بها الى أحد المعالجين المشعوذين فأكد لهم أن السبب هو مس الجن وأن الشيطان موجود حالياً داخل جسدها ، وقال لهم أنه سيتولى امر هذا العفريت وأخذ ينهال عليها ضربا بعصا غليظة ليتعقب الجان في كل مكان من جسمها حتى يخرج، وفى النهاية بعد أن فقدت الوعى أخبرهم بأن العفريت يصعب خروجه وعليه الذهاب الى الطبيب ليجد حلاً .

وغير ذلك الكثير من المرضى الذين يؤكدون أنهم تحت تأثير السحر ولن تشفى حالتهم إلا اذا تم فك "العمل" أو استخدام تعويذة لأبطال مفعوله.

1 -2 - 3 - 4

الصفحة الرئيسية