- مليار إنسان يعانون من الاكتئاب .. وثلث سكان العالم معرضون للإصابة

 

    يعتبر الاكتئاب النفسي - دون مبالغة - مرض العصر الحالي وهو أحد أهم وأخطر المشكلات والظواهر التي يعاني منها الإنسان في كل مجتمعات العالم .. وهو من أكثر الاضطرابات النفسية أنتشاراً حيث  تشير الأرقام والاحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلي إصابة نسبة عالية من الناس بالاكتئاب، ويحتل الاكتئاب المرتبة الرابعة بين الأمراض التي تسبب العجز والإعاقة والأعباء الهائلة في الوقت الحالي، كما يتوقع أن يصبح في المرتبة الثانية بالنسبة للأمراض من حيث التكلفة المادية والمعاناة الإنسانية بحلول عام 2020. وتحت عنوان "الاكتئاب: المرض والعلاج" صدرت طبعات كتاب جديد في ثلاث مدن عربية في نفس الوقت هي الإسكندرية وبيروت والرياض حيث يتضمن عرض صورة واقعية لأسباب ومظاهر وأعراض هذا المرض .. وطرق والوقاية والأساليب الحديثة للعلاج. وهنا في هذا الموضوع نقدم بعض المعلومات عن الاكتئاب النفسي مرض العصر.

 

 

د. لطفي الشربيني

استشاري الطب النفسي

 

الاكتئاب .. طبيعة وحجم المشكلة:

            لقد اطلق المراقبون وصف " مرض العصر " علي الاكتئاب النفسي بسبب الانتشار المتزايد لهذا المرض في كل مجتمعات عصرنا الحالي بصورة غير مسبوقة ، وتؤكد ذلك الأرقام التي وردت في تقارير منظمة الصحة العالمية والتي تشير إلي أن 7% من سكان العالم يعانون من الاكتئاب الذى يعتبر احد اكثر الأمراض النفسية انتشاراً ، وتشير احصائيات حديثة الي أن 18-30% من البشر يصيبهم الاكتئاب في فترة من فترات حياتهم ، وهذا يعني ان واحداً من كل ثلاثة قد يصاب بالاكتئاب ، ويعني أيضاً ان أكثر من بليون انسان في العالم يعاني من الاكتئاب .

 

            ومن المؤشرات التي تدل علي طبيعة وحجم مشكلة الاكتئاب ما تؤكده الدراسات من أن نسبة كبيرة من مرضي الاكتئاب ( نحو 80% ) لا يتم التعرف عليهم او علاجهم ويظلون في حالة معاناة لسنوات طويلة، و15% من الحالات يذهبون للعلاج لكنهم لا يعلمون أيضا ان الاكتئاب هو سبب معاناتهم فيتجهون إلي الأطباء الممارسين في تخصصات الطب الباطني وغيره ولا يتم علاجهم نفسياً ، ونسبة 3% فقط من مرضي الاكتئاب يذهبون لطلب العلاج عند الأطباء النفسيين ، أما بقية مرضي الاكتئاب ( نحو 2% ) فإنهم يقدمون علي الانتحار ، وهذا مؤشر آخر علي خطورة وأهمية الاكتئاب الذى يعتبر السبب الأول للانتحار حيث قدرت منظمة الصحة العالمية ان 800 ألف يقدمون علي الانتحار كل عام من انحاء العالم .

الأسباب .. الوراثة والكيمياء والضغوط:

            يتساءل الكثير من المرضي واقاربهم عن أسباب مرض الاكتئاب..وهل هناك أشخاص لديهم قابلية للاصابة بالاكتئاب اكثر من غيرهم؟..وقد شغلت الاجابة علي هذه التساؤلات علمياء النفس ونشطت الأبحاث في محاولة لكشف أسباب الاكتئاب،وقد تبين أن الاكتئاب ينتقل بالوراثة عبر الأجيال عن طريق"الجينات"حيث يزيد حدوث المرض بين الأقارب وفي بعض العائلات،وهناك بعض الناس لديهم استعداد للإصابة بالاكتئاب ويميل تكوينهم النفسي الي الحزن والعزلة والكآبة حتي قبل أن تظهر عليهم أعراض المرض،كما ثبت من خلال الملاحظة أن بناء الجسم المكتنز القصير البدين يرتبط بمعدلات أعلي من قابلية الاصابة بالاكتئاب لكن ذلك لا يعني ان آي شخص بدين أو قصير القامة سوف يصاب حتماً بالاكتئاب !!

            وقد كشفت الأبحاث عن وجود تغييرات كيميائية في الجهاز العصبي تصاحب حدوث الاكتئاب في الجهاز العصبي تصاحب حدوث الاكتئاب في الجهاز العصبي تصاحب حدوث الاكتئاب منها نقص بعض المواد مثل"السيروتونين "Serotonin، و"النورابنفرين "Norepinephrrien، ولا يعرف علي وجه التحديد اذا كانت هذه التغييرات هي سبب الاكتئاب أو نتيجة له ، والامر المؤكد هنا هو ان الانفعالات تؤثر علي كيمياء المخ وتؤثر علي حالة الاتزان النفسي،وما توصل إليه الطب النفسي حتي الآن هو ان مزاج الانسان وسلوكه يرتبط بكيمياء الجهاز العصبي،وما نلاحظه من حدوث الاكتئاب عقب التعرض لضغوط الحياة والخسائر المالية، او عند فقد شخص عزيز لدينا يؤكد ان هذه الاحداث تؤثر سلبياً علي الحالة النفسية للانسان بصفة عامة،أما الأشخاص الذين لديهم استعداد مسبق للإصابة بالاكتئاب فإنهم يتأثرون بصورة مبالغ فيها وتستمر معاناتهم من حالة الاكتئاب لفترات طويلة،ولا ترتبط الاصابة بالاكتئاب بمرحلة من العمر فالصغار والشباب وكبار السن معرضون للاصابة،لكن النسبة تزيد في المرأة مقارنة بالرجال لتصل إلي2أو3من النساء مقابل كل حالة واحدة من الرجال .

الإنسان وأعراض حالة الإكتئاب:

            هناك علامات ومظاهر لمرض الاكتئاب أهمها المظهر العام للانسان وتغييرات الحزن والانكسار والميل للعزلة وعدم الاكتراث بأمور الحياة أو الاستمتاع بأى شئ ، والشكوى من الضيق والملل وعدم القدرة علي احتمال آي شئ من احداث الحياة المعتادة ويمر الوقت بطيئاً حيث تبدأ المعاناة لمريض الاكتئاب حين يستقبل اليوم في الصباح بعد ليل طويل من الأرق والأحلام المزعجة ، كما تمتد المعاناة الي الشعور بأعراض جسدية مثل الآلام في الرأس والظهر ، وشعور بالاجهاد والتعب دون آي مجهود ، وعد الاقبال علي تناول الطعام ، وتتأثر وظائف الجسم بالحالة النفسية لمريض الاكتئاب ، والمثال علي ذلك فقدان الرغبة الجنسية نتيجة للحالة النفسية السيئة المرتبطة بالاكتئاب .

 

            وتدور الافكار السوداء في رأس مريض الاكتئاب فيفكر في المستقبل بيأس شديد ، ولا يرى في الحاضر الا المعاناة والاحباط ، وينظر ايضا الي الماضي نظرة سلبية فيتجه الي لوم نفسه وتأنيبها علي اخطاء وأحداث مضت عليها أعوام طويلة ، ويصل التفكير في المستقبل المظلم والحاضر الذى لا يحتمل والماضي المؤلم ببعض مرضي الاكتئاب الي حالة من القنوط واليأس الشديد ما يدفعهم الي التفكير في الانتحار حيث يتخيل مريض الاكتئاب في بعض الاحيان ان الحياة اصبحت عبئا لا يمكن احتماله ولا امل له في اى شئ ، والحل الوحيد من وجهة نظره هو ان يضع بنفسه حداً لحياته ، ويعتبر الاكتئاب النفسي الحاد سبباً رئيسياً للانتحار في 85% من الحالات ، وتصل معدلات الانتحار في الدول العربية الغربية الي 40 لكل 100 ألف من عدد السكان بمعدل 10 اضعاف حالات الانتحار التى لا تزيد عن 4 لكل 100 ألف في المجتمعات العربية والاسلامية ، ويعود ذلك الي تعاليم الدين الاسلامي الواضحة بشأن تحريم قتل النفس تحت آي ظرف .

 

العلاج وأمل جديد:

            لعل الحجم الهائل وطبيعة مشكلة الاكتئاب في عالم اليوم يتطلب التدخل من جهات متعددة لوقف انتشار هذا المرض الذى تحول الي ظاهرة تهدد الانسان في كل المجتمعات ، الوقاية هنا اهم واجدى كثيرا من العلاج ، وقد كان من المتوقع ان يحل التقدم الحضارى الكثير من المشكلات النفسية للإنسان في كل المجتمعات نتيجة للصراعات والحروب ، وزيادة الفجوة بين تطلعات الناس وامكاناتهم ما يتسبب في مشاعر الاحباط ، والوقاية من الاكتئاب وغيره من الأزمات النفسية المتزايدة في عالم اليوم لن يكون بغير العودة الي القيم الدينية والاخلاقية ونشر السلام وتوفير الامن الذى يفتقده الانسان في هذا العصر .

            واستطيع بحكم عملي في مجال الطب النفسي ان أقول ان السنوات المقبلة ربما تحمل املا جديدا لعلاج مرض الاكتئاب ، ويتم العلاج حاليا باستخدام مجموعة من المستحضرات الدوائية بهدف استعادة الاتزان الكيميائي للجهاز العصبي وتعويض نقص بعض المواد المرتبطة بالاكتئاب ، وهناك جيل جديد من الأدوية يتم استخدامه حاليا ويحقق نتائج جيدة مقارنة بالأدوية التي تم استخدامها في العقود الماضية ، كما يتطلب العلاج احيانا اللجوء إلي وسائل اخرى مثل العلاج الكهربائي بالاضافة الي جلسات العلاج النفسي ، ويجب ان يستمر العلاج والمتابعة لكل حالة من حالات الاكتئاب لفترة كافية حتي لا تكون هناك فرصة لعودة محتملة لنوبة جديدة من نوبات الاكتئاب .

            وفي الختام هناك عبارة نجد أنها تصف تماماً مشكلة الاكتئاب النفسي  ( مرض العصر الحالي ) هي قول احد علماء النفس: "إن المعاناة التي تسببت للانسانية بسبب الاكتئاب تفوق تلك التي نشأت بسبب  جميع الأمراض الاخرى مجتمعة" .. وكلنا امل ان تشرق الشمس يوماً علي هذا العالم وقد تخلص الانسان من معاناته النفسية وان يسود السلام والهدوء النفسي بدلاً من القلق والاكتئاب.

الصفحة الرئيسية