تقديم                                           

الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي

رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية  

  ===============================

 

 

          عندما طلب مني الأخ الدكتور لطفي الشربيني أن أكتب مقدمة لكتابه " الإشارات النفسية في القرآن الكريم " واطلعت عليه وعلى محتواه سعدت كثيراً به ، ومصدر سعادتي هو :

 

أولا : أن الطب النفسي فرع حديث نسبيا من فروع الطب مازال التقدم فيه يسير ببطئ أكثر من التخصصات الطبية المختلفة ، حيث انحصر في مجموعة من الأدوية تظهر تباعا على مدى العشرين عاماً الماضية معظمها إن لم يكن جميعها يؤدى إلى نوم متعاطيها والسيطرة على مشاعره ، وفي الآونة الأخير ظهرت موجة خطيرة من الأبحاث ـ مازالت تحت التجريب ـ أوضحت أنها تؤدي إلى تغيير في شخصية متعاطيها مما قد يؤثر على السلوكيات مستقبلا ....

 

          ولعل السبب وراء عدم التقدم في هذا المجال يعزى إلى عدم معرفة كنه " النفس" ومغزاها وأحوالها ، فهناك الكثير من التعاريف حولها ، ولم يستقر العالم حتى الآن إلى تعريف واضح وشاملِ لها ، بحيث يمكن التعرف عليها لتسهيل التعامل معها وليس مع أعراضها .

 

ثانيا : مازال الطب النفسي له مكانة خاصة يتحفظ الناس حولها في كثير من دول العالم وعالمنا العربي والإسلامي له نصيب كبير ، ولقد ارتبط المرض النفسي بالجنون وفقدان من يمرض به الاحترام بين أقرانه ومواطنيه وينظر إليه نظرة إشفاق ، فلا يؤخذ برأيه أو يعتد به . مما جعل المرضى النفسيين يصابون بوصمة عار في مجتمعاتهم لدرجة أن الأسرة التى يُصابُ أحد أفرادها بأحد الأمراض النفسية تُخفي الخبر عن الناس بل حتى عن أقاربها ... ، ولعلى لا أبالغ إذا قلت بأن الأسرة تحاول إخفاء زيارة مريضها لطبيب الأمراض النفسية ... ، كما أن أطباء الأمراض النفسية أيضا ـ في مرحلة سابقة ـ كان المجتمع لا ينظر إليهم نظرة عادية ولكن ما لبث أن تعدل الوضع إلى حد ما في الأوساط المثقفة ، لذلك كان لابد من زيادة الوعى لدى العامة بإصدار مثل هذه المؤلفات القيمة لتبيان أن القرآن الكريم لم يغفل هذا الموضوع بل كان له الفضل الكبير في هذا المجال .

 

ثالثا : أن الإسلام كان ومازال له دور كبير في هذا الموضوع ، لأن النفس الإنسانية لم يتعرف على كنهها أحد ولم يعرف سرها باحث حتى الآن ، والإنسان ليس مجموعة من أعضاء أو مجموعة من التحاليل البيولوجية للتعرف على ذاته ونفسه ، فقد تجد شخصين لهما نفس الأعضاء والتحاليل البيولوجية لكن لكل منهما شخصيته الذاتية المختلفة تماما عن الآخر ، هذا يصيبه الهلع إذا أصابه مكروه ، وآخر يحمد الله وهو مطمئن راضيا بقضاء الله وقدره ، وقد وضح القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: ] إن الإنسان خلق هلوعاً . إذا مسّه الشر جزوعًا . وإذا مسه الخير منوعًا . إلا المصلين . الذين هم على صلاتهم دائمون[ ( سورة المعارج آية 19، 23) وقوله تعالى :  ]والذين هم للزكاة فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [ ( سورة المؤمنون آيه 4 ، 6 ) .

 

          فلقد وصف القرآن في هذه الآيات الداء ثم قدم الدواء من الصيدلية الربانية ، وآيات أخرى من القرآن الكريم تقسم النفس البشرية إلى نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة بالسوء ..، حيث استفاد علماء وفلاسفة الأمة الإسلامية من هذا التقسيم كما سنرى فيما بعد . كل هذا نجده بتفصيل ممتاز في هذا الكتاب وبتوسع كبير .

 

          وإذا عدنا إلى البعثة المحمدية في أول ظهورها لوجدنا أنها جاءت إلى مجتمع جاهلي اشتهر بوأْد البنات ومعاقرة الخمر والاسترقاق والحروب المتفشية بين القبائل ، فبدأت الآيات القرآنية بمعالجة كل هذه الفواحش تمهيدا لبناء إنسان مؤمن قوى بإيمانه ذى همة عالية ونفس طيبة تسمو فوق شهواتها وغرائزها وتكبح جماحها ، ولعل أهم ما نجحت فيه هو  ترسيخ الإيمان في نفوس أبناء الأمة الإسلامية مما يعني التوحيد بوجود إله واحد يأمر بالعدل وينهى عن الفحشاء والمنكر ويعني بأن الرحمة موجودة والمغفرة موجودة فيطمئن القلب وترتاح النفس ويسكن الفؤاد ويزول القلق فالحق واصل لامحالة لأصحابه .

 

          فعلى كل إنسان ان يكبح شهواته ورغباته المادية ليوم آخر وحياة أخرى بعد الموت حيث يعوض عنها بما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين ، إننا أمام لوحة جميلة أخرى ونقلة نوعية مختلفة وصورة جميله لامثيل لها ، وهى أن يتدفق القلب بالمشاعر وتحتفل الأحاسيس بكل لحظة ، وتزف الروح كل يوم جديد وكأنه عرس جديد وكلها نابعة من إيمان صادق ونفس مطمئنة تسمو على ما أصابها ولاتسرف في فرحها وبهجتها ، وأن تذوب الهموم في كنف رحمة الله ومغفرة الغفار ، ذلك الإحساس معناه السكينة والطمأنينة وراحة البال والهمة والتفاؤل والإقبال على الحياة ، وذلك ثمرة  " لا إله إلا الله  " في نفس قائلها الذى يشعر بها ويتمثلها ويؤمن بها .

 

          هذه الصورة بقواعدها وغيرها من أسسِِِ وضعها الحكيم العليم الذى خلق النفس البشرية فألهمها فجورها وتقواها ، ويعلم ما توسوس به نفسك ، هو أعلم بدائها ودوائها ، ولكن ابتعدنا عنها وهرولنا نحو علم النفس الغربي الذى له تفسيرات مخالفة تماما عن هذه الرؤية الإسلامية ، فلماذا لاندخل إلى هذا المجال ولدينا الأسس الكاملة المتكاملة ؟

 

          وبعد أن رسخ الإسلام قواعد بنيانه في أتباعه انطلقوا يبحثون ويؤلفون ، وكان من أعظم مآثرهم هذا التقدم الرائع في مجال الطب النفسي ، فالرازي خصص كتابا في هذا المجال سماه [ الشفاء في النفس وأحوالها ] وابن سينا كتب رسالة في [ معرفة النفس الناطقة والإشارات والتنبيهات ] ثم جاء فيلسوف المسلمين الإمام أبو حامد الغزالي ليتبحر في هذا الموضوع الواسع ويكتب كتابا أسماه كتاب الأربعين وكتاب ميزان العمل في موسوعته إحياء علوم الدين ، وكتب كتابا آخر عن النفس الإنسانية أسماه [ معارج القدس في مدارج معرفة النفس ] ، كما ألف ابن حزم كتابا حول هذا الموضوع [ أخلاق النفس ومداواة النفوس ] .

 

          عَّرف الغزالي النفس الإنسانية بأنها " الكمال الأول لجسم طبيعي آلىّ من جهة ما يفعل الأفاعيل بالاختيار العقلي والاستنباط بالرأي ، ومن جهة ما يدرك الأمور الكلية . ولها معنيان :

 

الأول : أنه يراد بها المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان ، وهذا المعني هو الجامع للصفات المذمومة، ولذلك فإن مجاهدتها وكسرها استجابه لقوله صلى الله عليه وسلم p أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك i .

 

المعني الثاني : هي اللطيفه التى هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، ولذلك فإن النفس خاصية إنسانية لايتمتع بها عالم الحيوان ، ولو أن البهيمة أعطيت النفس التى أعطيها الإنسان لكانت عاقلة مكلفة ، ولذلك فإن الإنسان جسم وروح ونفس .

 

 لكن الإمام الغزالي في مواضيع أخرى كثيرة يوحد بين النفس والروح مستشهدا بقوله تعالى ] إني خالق بشرا من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين [
( سورة ص آية 71 ، 72 ) فنبه إلى أن الإنسان مخلوق من جسم مدرك بالبصر، ونفس مدركة بالعقل والبصيرة لا بالحواس ، ونبه إلى أن جسده من طين وروحه نسبها إلى نفسه سبحانه وتعالى .

 

          وقد عني الغزالي بتعريف النفس والروح والقلب وشرح دلالاتها في كتابه [ معارج القدس في مدارج النفس ] فبين أن :

النفس كما جاءت سابقا .

 

أما الروح فلها إطلاقات عديدة أهمها أنه يراد بها المبتدع الصادر من أمر الله تعالى الذى هو محل العلوم والوحي والإلهام وهو مفارق للعالم الجسماني قائم بذاته ، كما تطلق الروح على تلك التى يرافق وجودها الحياة بعبارة الغزالي " مركب الحياة " وتسري في البدن فيعمل في كل موضع بحسب مزاجه واستعداده .

 

أما القلب فبالإضافة إلى إطلاقه على اللحم الصنوبري الشكل فإنه يراد به " الروح الإنساني المتحمل لأمانة الله المتحلي بالمعرفة المركز فيه العلم بالفطرة ، الناطق بالتوحيد بقوله " فهو أصل الآدمي ونهاية الكائنات في عالم المعاد ] ألا بذكر الله تطمئن القلوب[
   ) سورة الرعد آية 28  ) .

 

 ولابن القيم الذى يعتبر سفير العلاج الروحى آراء كثيرة حول هذا الموضوع تعتبر ويغلب عليها الطابع الوقائي وبلغت بضعة عشر من الأمور التي يمكن بل ينبغي  الجمع بينها ليحصل الدواء الشافي وعلى رأسها صحة الاعتقاد بتوحيد الله تعالى على النحو الشامل :

 

          توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والتوحيد العلمي للاعتقاد بتنزيه الله عن الظلم واعتراف العبد بأنه هو الظالم وإقرار العبد لله بالرجاء ، وتحقيق التوكل على الله ، والإكثار من ترديد ] لاحول ولا قوة إلا بالله [ والاستغفار ، والاستعانة بالله بالدعاء ، والصلاة ، وقراءة القرآن الكريم ، والصوم ، والصبر .

 

          وقد تنبه بعض علماء النفس الغربيين ممن هداهم الله إلى إغفال تأثير الجانب الروحى ، ومن هؤلاء اريك فورم المحلل النفسي الشهير حيث ذكر قصور علم النفس الحديث وعجزه عن فهم الإنسان فهمًا صحيحًا بسب إغفاله دراسة الجانب الروحي في الإنسان إذ ركز هذا العلم على فهم مظاهر الإنسان التى يمكن فحصها في المعمل، وزعم أن الشعور وأحكام القيمة ومعرفة الخير والشر ما هي إلا تصورات ميتافيزيقية تقع خارج مشكلات علم النفس ، وهكذا أصبح علم النفس علما يفتقر إلى موضوعه الرئيسي وهو الروح .

 

          وكما للجسم حاجاته فإن للنفس والروح حاجاتهما التى تتمثل في التشوق إلى معرفة الله سبحانه وتعالي والإيمان به وعبادته ، وهذه الحاجات فطرية ، فالإنسان يشعر في أعماق نفسه بدافع يدفعه إلى البحث والتفكير في إله يعبده والالتجاء إليه وطلب العون منه، وعلى مر العصور والتاريخ وفي جميع أنحاء الكره الأرضية نجد أن كل فريق له إله دون النظر إلى صحة الاعتقاد فيما يعبده ، ولهذا أرسل الله الرسل ليهدي الناس إلى الطريق المستقيم.

 

          وهناك صراع أبدي بين الجانبين المادة والروح وهو الصراع النفسي الأساسي الذى يعاني منه الإنسان ، وقد صور القرآن الكريم ذلك أعظم تصوير فقال تعالى :
 
] لقد خلقنا الإنسان في كبد[  ( سورة البلد آية 4 ) .

 

          إن إغفال الجانب النفسي والروحي يجعل حياة الإنسان خالية من المعاني السامية التى تجعل للحياة قيمة وتفقد الإنسان شعوره برسالته السامية في الحياة كخليفة في الأرض فتضيع منه الرؤية الواضحة الكبرى في الحياة وهي عبادة الله والتقرب إليه ومجاهدة النفس في سبيل بلوغ الكمال الإنساني ، وقد صور القرآن الكريم هذا الصراع في قوله تعالى : ] ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق [
( سورة الحج آية 31 )  .

 

          انعكست هذه الرؤية بوضوح كامل في عقول ونفوس أطباء المسلمين الأوائل ، ففى الوقت الذي كان فيه الغرب يعامل المصابين بالأمراض النفسية والعقلية بكل القسوة والضرب والإيذاء والنبذ كان مرضى المسلمين يعاملون بكل الحب والحنو والعطف وتقديم العلاج اللازم لذلك ، ونحن نعلم بقصة الأمير الذى كان مصابا بمرض نفسي أفقده الحركة فشخًّصه الرازي وشفي تماما ، وقصة عشق أمير آخر اشتد عليه المرض حتى وهن جسده فأحضروا إليه نابغة أطباء المسلمين وأستاذ الفلسفة آنذاك ففطن إلى ما يعانيه وشخًّصه ووصف له العلاج الشافي بإذن الله .

 

          ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أقام حكام المسلمين مستشفيات خاصة بالمرضى النفسيين وزودوها بالغناء والموسيقى والحدائق الغناء التى تتوسطها نافورات المياه المتدفقة ، وتولوا رعايتهم والإنفاق عليهم طيلة فترة مرضهم ، بل خصصوا رواتب لمن أفقده المرض القدرة على العمل بعد خروجه من المستشفي ، وتولت الدولة رعايته حتى وفاته .

 

          إن التاريخ الإسلامي حافل بالكثير ، ولم يكن ذلك ليتم لولا أن الدين الإسلامي كان الهادي لهم والمرشد لفكرهم حيث إنه اعتبر هذه الفئة مرضى مثلهم مثل غيرهم من المصابين بالأمراض العضوية ويحتاجون إلى العلاج والتعاطف والتراحم والحب نحوهم، هكذا ترعرع الطب النفسي في الإسلام بهدى من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التى أسست فكرا راقيًا في نفوس مؤمنة مطمئنة راضية بقضاء الله وقدره .

 

          إن هناك الكثير والكثير في هذا المجال مما يمكن إضافته ، وحتى لايضيع القارئ الكريم ويستغرق في المقدمة فإنني أكتفي بهذا القدر والذى يمكن أن يمتد إلى صفحات كثيرة طويلة في مقارنة مع علم النفس الغربي الجديد ، لنجد تفوق علم النفس الإسلامي عليه.

 

          ولست هنا أحاول التقليل من علم النفس الغربي الحديث ، ولكن أجد العذر لهم لأنهم اجتهدوا وفكروا وخرجوا بنظريات كثيرة نجدها لاتثبت أمام الانتقادات الكثيرة من علماء الغرب أنفسهم ، وهذا هو المتوقع ، فهذه النظريات التى وصفوها إنما هي اجتهاد بشري بما يحمل هذا الاجتهاد من قصور في التفكير وفي الرؤية وفي التحليل ، أما علم النفس الإسلامي فهو من عند رب العالمين خالق الإنسان وهو أدرى بمن خلق ، فإذا كان المولى سبحانه يعلم ما توسوسو به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد فإن أوامره ونواهيه يجب اتباعها ، فهي دائما تصب في صالح المخلوق .

 

          ما ينقصنا اليوم هو أن تحول كل هذه المعاني والرسائل الربانية إلى قواعد علمية يسير عليها أطباء علم النفس ليقدموا للعالم علما جديدا من صيدلية ربانية يحتل الإنسان فيها مقاما عاليا يؤهله لخلافة الله في الأرض ليعمرها .

 

رابعاً : سعدت كثيرا بما قام به الأخ العزيز الدكتور لطفي الشربيني من جهد كبير في كتابه القيم [ الإشارات النفسية في القرآن الكريم ] وهو بهذا الجهد الكبير يكون قد  قدم عملا متميزا ونواة يستطيع المهتمون بهذا المجال أن يتخذوه ركيزة علمية توفر وقتا وجهدا كبيرين ، إذ جمع معظم إن لم يكن كل المصطلحات النفسية الحديثة وأوجد ما ذكر في القرآن الكريم ، فتحية إكبارِ له ولجهده ، ولعل القارئ الكريم يجد فيه مبتغاه في هذا المجال الحيوي والهام .

 

           لم يبق سوى أن يجلس المختصون في علم النفس لتحويل تلك المصطلحات الغربية إلى مصطلحات إسلامية تكون هادية ومرشدة لكل مهتم بهذا العلم الهام، خاصة في قرن يحفل بالقلق والاضطرابات النفسية على المستوى العالمي.

 

 

والله الموفق لما يحبه ويرضاه .

الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي

رئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية