موضوع:  صحة نفسية

كلام عن

الجنون ... و المجانين

د لطفي الشربيني

مفهوم  "الجنون".. في الطب النفسي.. واللغة.. والمنظور القرآني

الحاجز النفسي بين المرضى والمجتمع..وظاهرة "الوصمة"

متى نتوقف عن اطلاق النكات والسخرية من  المجانين؟!!

 

        لعل الأمراض النفسية من اكثر الموضوعات التي يحيط بها الغموض الذي يدفع الناس إلى تبني أفكار وتصورات غير واقعية حولها، ومعتقدات غريبة عن أسباب المرض النفسي، الذي يتعارف العامة علي وصفه بحالة "الجنون" وعن المرضي النفسيين الذين يطلق الناس عليهم وصف “المجانين“ وتمتد المفاهيم الخاطئة لتشمل تخصص الطب النفسي بصفة عامة، والذي اصبح اليوم رغم كل التطورات الحديثة في أساليب العلاج موضع نظرة سلبية من جانب مختلف فئات المجتمع .. ولعل ذلك هو ما دفعني إلى تناول هذه القضية الهامة ليس دفاعا عن الطب النفسي بل من أجل تصحيح بعض المفاهيم السائدة بعرض بعض الحقائق والآراء حتى نتبين الجانب الآخر من الصورة.

 

 

الجنون والمجانين

        بداية فإنني - بحكم عملي في مجال الطب النفسي - أؤكد أنه لا يوجد مرض نفسي أو عقلي اسمــه  " الجنون " بل إن هذا اللفظ لا يعني بالنسبة لنا  في ممارسة الطب النفسي أي مدلول ولا يعبر عن وصف لحالة مرضية معينة، غير أننا لا نستطيع إنكار حقيقة هذا الوصف المتداول بصورة واسعة الانتشار بين الناس من مختلف الفئات لوصف المرضي النفسيين ( حيث يطلق عليهم المجانين ) وأحيانا يمتد هذا الوصف ليشمل كل ماله علاقة بالطب النفسي، فكل من يتردد علي المستشفيات والعيادات النفسية هو في الغالب في نظر الناس جنون، وانطلاقا من ذلك فإن المستشفي هي مكان للمجانين والأطباء النفسيين أيضا هم "دكاترة المجانين"!

 

        ولا يخفي علي أحد أن استخدام هذه المصطلحات له وقع سيئ للغاية، فوصف أي شخص بالجنون لاشك هو وصمة أليمة تلصق به، وتسبب له معاناة تضاف إلى مشكلته الأصلية التي تسببت في اضطراب حالته النفسية، فكأن المصائب لا تأتي فرادى بالنسبة لمرضي النفس الذين هم في أشد الحاجة إلى من يتفهم معاناتهم ويحرص علي عدم إيذاء مشاعرهم المرهفة، فقد يتسبب المحيطون بالمريض النفسي من أهله وأصدقائه ومعارفه في إضافة المزيد من الآلام النفسية إلى ما يعاني منه من اضطراب نفسي حين يقومون ولو بحسن نية باستخدام بعض المفردات التي يفهم المريض منها انه قد اصبح اقل شأنا من المحيطين به، ولنا أن نعلم أن معظم مرضي النفس يتميزون بحساسية مفرطة تجاه نظرة الآخرين لهم وهذا جزء من مشكلتهم النفسية، فكأننا حين نؤذى مشاعرهم المرهفة بالإشارة أو حتى التلميح كمن يلهب بالسوط ظهر جواد متعب ومنهك أصلا

 

        وقد حاولت أن ابحث عن المعني اللغوي لكلمة " الجنون " بدافع الرغبة في معرفة اصلها لكنني وجدت نفسي في متاهة متشعبة، فالأصل هو كلمة "جَنَّ " وتعني اختفي، ومنها جن الليل أي اخفت ظلمته الأشياء، ومنها أيضا "الجنة" التي تعني الحديقة أو الشجر الكثير الذي يخفي ما بداخلة، أما صلة هذا الاشتقاق بالعقل فإن العقل إذا جن فإنه قد استتر واختفي، فالشخص إذن "مجنون" ويقال أيضا إن الجن وهم المخلوقات التي تقابل الإنس تأتي تسميتهم تعبيرا عن اختفائهم عن الأبصار .. وأرى أن اكتفي بذلك لأن ما قرأت من اشتقاقات وتفسيرات مختلفة لا يكفيه كتاب كامل، لكن عموما فإن ما يمكن أن نستنتجه من ذلك هو العلاقة غير المباشرة بين تعبير الجنون ووصف المرض النفسي والتي لا تتميز بالدقة حتى من الناحية اللغوية ناهيك عن الناحية النفسية حيث لا يعني الجنون أي مدلول علمي أو وصف لمرض نفسي محدد كما ذكرنا.

 

        وبالإضافة إلي ذلك فإن لنا أن نعلم أن الأمراض النفسية  (التي يطلق عليها جوازاً الجنون) تضم مجموعات كثيرة من الحالات المرضية تتفاوت في شدتها وأسبابها وطرق علاجها ، ويكفي أن نعلم أن هناك ما لا يقل عن 100 مرض نفسي وعقلي معروف للأطباء النفسيين، وتضمها مراجع الطب النفسي بوصف كامل لكل منها، وهنا نتساءل أي هذه الحالات هو ما يصفه الناس بمرض الجنون!

أننا نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يتراجع فيه استخدام هذا اللفظ الأليم علي المشاعر.

 1 - 2 - 3 - 4

الصفحة الرئيسية