" ألا بذكر الله تطمئن القلوب "   الرعد 28

لعل في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد وهي مدنية وآياتها 43 من الإشارات والمعاني ما يمثل وصفة إلهية مضمونة للطمأنينة والسعادة وراحة البال التي يمكن أن يصل اليها كل إنسان يتمتع بإيمان قوي بالله تعالي فتكون مفتاحا لحياة طيبة في الدنيا، ووعد بالفوز والنجاة في الآخرة، ولعل من أسباب الوقاية والشفاء وعلاج الاضطراب النفسي التمسك بالإيمان القوي بالله تعالي والحرص علي ذكر الله الذي يمثل روشتة مضمونة تعالج القلق والتوتر وتعين علي هموم الحياة . 

            وهناك حالات مرضية لوحظ زيادة انتشارها في العصر الحالي أصبحت ضمن قائمة طويلة يطلق عليها أمراض العصر وتتسبب في وفاة أعداد كبيرة من البشر، ومن هذه الأمراض القلق والاكتئاب النفسي، وأمراض القلب والشرايين ، وارتفاع ضغط الدم ، والسكر ، وقرحة الجهاز الهضمي ، وأمراض المفاصل ،وأمراض الكلي والكبد .. وغير ذلك من الأمراض العضوية والنفسية التي تذكر إحصائيات منظمة الصحة العالمية أنها تهدد أرواح البشر في مختلف مجتمعات العالم ، وإذا حاولنا البحث عن أسباب زيادة هذه الأمراض بصورة غير مسبوقة في هذا العصر فإن العوامل التي تقف وراء ذلك كما تقول الأبحاث هي :

  -  تلوث الماء والهواء والبيئة المحيطة بالإنسان والأطعمة التي يتناولها يؤدى إلى الإصابة بأمراض عضوية تؤثر علي أجهزة الجسم وتتلفها بمرور الوقت .

     -     الحروب والتفجيرات النووية لها آثار خطيرة تمتد إلي أجيال تصاب بالتشوهات والأمراض المستعصية التي يصعب علاجها .

  -  فساد الإنسان في الأرض والصراعات والحروب التي تؤدى إلي آثار نفسية سلبية تفوق آثار الكوارث الطبيعية تتسبب في حالة من فقدان الأمن والتوتر والقلق وتؤدى إلي الإصابة بالأمراض النفسية ، كما أن الفساد في السلوك الإنساني يقف وراء بعض المشكلات المتفاقمة مثل مشكلة المخدرات التي يؤدى إدمانها إلي حصد الكثير من الأرواح بالإضافة إلي المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية المتعددة

          وبالنسبة للكثير من المشكلات الصحية والنفسية مثل تزايد انتشار القلق والاكتئاب في كل بلدان العالم ، ومشكلة الإدمان ، وأمراض العصر التي تتسبب في خسائر كبيرة في الأرواح فإن الوقاية والعلاج تكاد تصل في هذا العصر إلي وضع يائس في مواجهة الانتشار المتزايد لهذه المعاناة الإنسانية .. وقد توصلت آخر الأبحاث العلمية والطبية في هذا المجال إلي بعض النتائج التي يمكن أن تمثل أملاً جديداً يفتح الباب إلي طريق للحل .. وهنا نذكر بعض الأمثلة لذلك من خلال قراءة لبعض من هذه الأبحاث العلمية الحديثة :

 · خوف الإنسان من المتغيرات وأحداث الحياة مثل الخسائر المادية أو الإصابة بالأمراض أو مستقبل الأبناء يؤدى إلي إصابته بالاكتئاب والقلق الذي يؤثر علي حالته الصحية والمناعة ضد الأمراض ، وقد أثبتت الأبحاث أن الأشخاص الذين يتمتعون بإيمان قوى بالله تعالي ويقين بأن كل شئ بيد الله يتخلصون من هذه المخاوف وتزيد فرص شفائهم عند الإصابة بالأمراض المختلفة ومنها الأمراض القاتلة مثل أمراض القلب والسرطان .

 · أثبتت بعض الدراسات أن الأشخاص الذين يلتزمون بأداء العبادات من صلاة وصوم اقل إصابة بالأمراض النفسية مثل الاكتئاب والوسواس القهري والقلق ، كما أن قوة الوازع الديني تمثل حماية من الوقوع في إدمان الخمور والمخدرات  وهنا نذكر أهمية تعاليم الإسلام الواضحة في تحريم الخمر. حيث تشير الأرقام إلي أن نسبة 85% من الأشخاص في الولايات المتحدة من متعاطي الكحول ومنهم نسبة من المدمنين ، بينما يظل حجم هذه المشكلة محدوداً في الدول الإسلامية.

 · نسبة الانتحار-كما تذكر أخر الإحصائيات العالمية-وصلت إلي رقم هائل هو 800 ألف حالة انتحار سنوياً في أنحاء العالم، والمعدل في بعض الدول الأوربية يصل إلي 42 لكل 100 ألف من السكان، بينما لا يزيد معدل حالات الانتحار في الدول الإسلامية عن 2-4 لكل 100 ألف من السكان، ومعني ذلك أن هذه النسبة في الدول الغربية تزيد علي 10 أضعاف الانتحار في الدول الإسلامية والسبب في ذلك يعود إلي تعاليم الإسلام حول قتل النفس .

          إن المتأمل في العلاقة بين تعاليم الدين الإسلامي وبين تنظيم حياة الإنسان وتعديل سلوكه لابد أن يلاحظ التأثير الإيجابي للالتزام بتعاليم الدين علي الصحة النفسية ويتضمن ذلك الوقاية والعلاج من الاضطرابات النفسية التي تزايد انتشارها في العصر الحالي ، والمثال علي ذلك تأثير التنشئة الدينية للصغار علي ضبط سلوكياتهم ومنعهم من الاستجابة للانحراف ، وكذلك الدعوة الدائمة إلي حسن الخلق في التعامل الإنساني بما يخفف من فرص الصراعات التي تسبب القلق ، ودعوة الدين إلي إفشاء السلام وهي دعوة إلي الطمأنينة التي تمثل وقاية ضد القلق والاكتئاب ، والنهي عن الفساد في الأرض يضمن للإنسان  الحياة في وسط صحي بعيداً عن كل أسباب التلوث المادي والمعنوي الذي يؤدى إلي الإصابة بالأمراض .

          والالتزام بتعاليم الدين والعبادات لها تأثير إيجابي علي الصحة النفسية كما تؤكد الدراسات العلمية، والمثال علي ذلك تأثير الوضوء علي خفض مستوى الغضب والتوتر مع الاغتسال بالماء وهو ما ثبت علمياً ، وسبق إلي ذلك الحديث الشريف حول هذا الموضوع ، وفوائد انتظار الصلاة بعد الصلاة وذكر الله في شغل النفس بعيداً عن الوساوس المرضية والقلق، وأمل الإنسان في التوبة يفتح له باب الخروج من اتهام النفس وتأنيب الضمير الذي يؤدى إلي اليأس والاكتئاب ، والتمسك بالإيمان القوى بالله تعالي هو سلاح فعال للوقاية والعلاج ، والاحتفاظ بحالة دائمة من الاتزان النفسي، وحين نفكر قليلاً نجد أن الحل والمخرج من غالبية ما نواجهه من مشكلات وأزمات في حياتنا هو بالعودة إلي الله سبحانه وتعالي

ومن خلال الإشارات النفسية في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد فقد لاحظنا التوافق الكامل بين ما جاء بها مع ما توصل اليه علم النفس والطب النفسي الحديث من التأثير الإيجابي للإيمان القوي بالله والاستمرار في ذكر الله علي الصحة النفسية فسبحان الله الذي خلق الإنسان وعلمه وأنزل له في كتابه الهدي والتوجيه الذي يضمن له طمأنينة النفس وراحة البال والسعادة في الدنيا والآخرة .      

الصفحة الرئيسية