" ان الله يأمر بالعدل والإحسان . "   النحل 90

في هذه الآية الكريمة من سورة النحل وهي مكية وآياتها 128 نجد أمرا من الله سبحانه وتعالي بثلاثة أمور هي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهي سبحانه وتعالي عن ثلاثة أمور هي الفحشاء أي الذنوب المفرطة في القبح، والمنكر والبغي وهو التطاول والتعدي علي الناس، وحين ننظر الي الإنسان في حالة المرض النفسي نلاحظ أنه يكون في أشد حالات الضعف الإنساني حين تطول معاناته ولا يجد من يتفهم شكواه من المحيطين به ومن يجب عليهم القيام علي رعايته، وفي مواجهة مثل هذه الحالات تظهر أهمية مفهوم الأمر بالعدل والإحسان، فالعدل وحده لا يكفي ولا بد من الإحسان الذي يتضمن الاستعداد لتقديم العون والمساعدة عند التعامل مع الضعفاء والمستضعفين ومنهم طائفة المرضي النفسيين الذين يقعون تحت وطأة معاناة صعبة ولا يد لهم في ما أصابهم من ابتلاء .

" أن واحدة من القضايا الهامة التي لا تستحوذ على القدر الملائم من الاهتمام مسألة حقوق المرضي الذين يعانون اضطرابا نفسياً وعقلياً .. وهم فئة المرضي النفسيين الذين لا يجدون غالباً من يهتم بشئونهم أو يدافع عن حقوقهم وهم في أشد حالات الضعف الإنساني بسبب ما آل إليه حالهم نتيجة لإصابتهم بالمرض النفسي .. وهؤلاء يتزايد عددهم في المجتمع بصورة تدعو إلي القلق .. كما تتزايد معاناتهم وهموم من يقوم علي رعايتهم .. ويمثلون عبئاً ثقيلاً علي المجتمع .. وقد يتعرضون إلى الإهمال أو الظلم أو تضيع حقوقهم في الرعاية والعلاج والحياة الآمنة ..

          والأشخاص الذين تتسبب إصابتهم بالمرض النفسي في تدهور حالتهم العقلية إلي درجة الإعاقة هم اخوة لنا لا يختلفون عن غيرهم في شئ..بل هم كل واحد منا، حيث ثبت أن المرض النفسي يمكن أن يصيب آي إنسان في آي مرحلة من مراحل العمر، كما تؤكد الدراسات أن الأمراض النفسية – وهي أمراض العصر الحالي – أصبحت واسعة الانتشار في كل مجتمعات العالم سواء في الشرق أو في الغرب دون تفرقة بين الأغنياء والفقراء، وتؤكد الأرقام أن معدلات الإصابة بالأمراض النفسية في تزايد مستمر، وتصل نسبة الإصابة بالقلق إلي20%من السكان في بعض بلدان العالم كما تقدر الإصابة بالاكتئاب بما يقرب من7%..أي حوالي 400مليون إنسان في أنحاء العالم، ويقدر عدد مرضي الفصام1% من مجموع السكان، ويصيب عته الشيخوخة المسنين بنسبة 5% لمن يزيد عمرهم علي 60سنة، وتزيد نسبة الإصابة إلي20% فيمن يتعدى عمرهم80 عاماً.

          وللأمراض النفسية طبيعة خاصة تختلف عن غيرها من الأمراض المختلفة التي تصيب الجسد، فالمريض النفسي لا يتعاطف معه الآخرون كما يفعلون مع من يعانون من مرض عضوي مثل الأنفلونزا ولا تستطيع الكثير من المحيطين بالمريض من أهله وأقاربه وزملائه فهم معاناته حيث يظهر أمامهم في صحة جيدة ويعتبرونه مسئولا عما أصابه من خلل في عقله، وأكثر من ذلك هناك اتجاه سلبي نحو المرضي النفسيين، فكثير من أقرب الناس إلى المريض يبتعدون عنه، والبعض يسئ معاملته أو يتعمد إهماله، والبعض الآخر يتجنبه خوفاً منه، وكثيراً ما يتسبب المرض النفسي في وصمة أليمة لكل من يصاب به تؤثر علي حياته بصورة سلبية..وهذه هي بعض هموم المرضي النفسيين .

                             ولعل طبيعة الأمراض النفسية التي تؤثر علي العقل والحكم علي الأمور تجعل من علاقة الطب النفسي بالقانون والقضاء مسألة هامة لا توجد بالنسبة لفروع الطب الأخرى، والمرضي النفسيون قد يخرجون علي قوانين المجتمع فيرتكبون المخالفات والجرائم تحت تأثير حالتهم المرضية ورغم أنهم لا يمثلون خطراً علي أنفسهم أو علي الآخرين إلا في حالات محدودة، يعفي القانون الشخص المجنون من المسئولية عن ما يفعل، لكن تحديد الجنون مسألة يحيط بها الكثير من الجدل، فكلمة "مجنون" والأمراض النفسية والعقلية كما يعرفها الأطباء النفسيون كثيرة تصل إلي ما يقرب من  100 مرض تضمها قائمة التشخيص العالمية لتصنيف الأمراض النفسية

          والمرضي النفسيون من أكثر الفئات حاجة إلي الرعاية والمساندة، وكثيراً ما يحدث أن يرتكب المريض النفسي بعض الأفعال التي لا يرضي عنها أحد، أو قد يتسبب في إيذاء نفسه أو إيذاء الآخرين، فالمريض العدواني قد يوجه الإساءة إلي اقرب الناس إليه من أهلة أو من يقومون علي رعايته، والمرضي  وهم يرتكبون جرائم العنف الدموية أو يقدمون علي الانتحار إنما يفعلون ذلك بحكم إصابتهم بالمرض النفسي الذي يتسبب في تشويه حكمهم علي الأمور

          ومن حقوق المريض النفسي الهامة أيضا حقه في إدارة أمواله بنفسه، وكثيراً ما يطلب أهل المريض وأقاربه الحجر عليه أي منعه من التصرف في أمواله لإصابته بالمرض العقلي، ونحن نقول أن الإصابة بالمرض العقلي ليست مبررا كافيا في كل الأحوال لحرمان المريض من حق التصرف في ممتلكاته، وكثير من المرضي النفسيين لديهم القدرة علي التصرف السليم في أموالهم .

          وقد كان الإسلام اسبق من العلم الحديث في وضع الأسس للمعاملات الإنسانية في كل مجال، وقد تضمنت الشريعة الإسلامية من التعاليم والأحكام ما يمكن الاستعانة به للتوصل إلى حل للمشكلات الإنسانية التي ظهرت وتفاقمت في عصرنا الحديث، والإسلام دين حياة فيه ما يؤدى إلى الوقاية والعلاج من أمراض نفسية متعددة، كما أن الإيمان القوى بالله تعالي له تأثير إيجابي ثبت علمياً علي حالة الصحة النفسية في كل الظروف، وبالنسبة للطب النفسي فإننا نضرب هنا مثالين لفضل تعاليم الإسلام في الوقاية والعلاج للمشكلات النفسية المستعصية،.

          وبالنسبة لحقوق المريض النفسي فإن تكريم الإسلام للإنسان وعدم المساس بحقوقه في كل الأحوال فيه تقديم لحلول كثير من مشكلات المعاقين نفسياً وعقلياً ، كما أن مراجعة أحكام الفقه الإسلامي تقدم لنا حلولا لمسائل عديدة يثور حولها الجدل حتى الآن .

          وهنا نلمس من إشارات آيات القران الكريم ومنها هذه الآية في سورة النحل التي تتضمن الأمر بالعدل والإحسان حرص الإسلام علي رعاية الإنسان خصوصا في حالات ضعفه، والحث علي تقديم العون والمساعدة لمن يحتاجها، والنهي عن التعدي أو التطاول والانحراف، وهذه هي روح الإسلام التي نلمسها من خلال معني وإرشادات آيات كتاب الله الكريم، والحمد لله رب العالمين .

الصفحة الرئيسية