" ومن نعمره ننكسه في الخلق "    يس 68

في هذه الآية الكريمة من سورة يس وهي مكية وآياتها 83 تأكيد لحقيقة علمية هامة تتعلق بمرحلة تقدم السن وتتضمن العديد من الإشارات الطبية والنفسية حيث تتضمن إشارة الي التردي والتدهور والتناقص الذي يصيب الإنسان ويشمل الوظائف الجسدية والنفسية في مرحلة الشيخوخة، والتي كانت موضوع دراسات طبية أثبتت أن المنظور القرآني للشيخوخة كان له السبق في وصف خصائص هذه المرحلة وما يصيب الإنسان مع تقدم السن، وهنا نذكر التعبير القرآني " الذي يصف الشيخوخة بأنها "أرذل العمر " كما ورد في الآية الكريمة : " ومنكم من يرد الي أرذل العمر " الحج 5 ، ومن خلال عرض للمنظور الطبي والنفسي للشيخوخة .يعتقد الكثير من الناس أن الشيخوخة ليست زمن استمتاع فليس فيها أية مزايا إيجابية .. بل كلها عيوب وسلبيات .. فهي زمان التردي من الضعف والمرض .. لذلك تبدو الدعوة للاستمتاع بالشيخوخة غير موضوعية .. لكنني أتوجه إلى المسنين من الآباء والأجداد لأهمس في آذانهم بأن الفرصة لا تزال قائمة للاستمتاع بمرحلة الشيخوخة رغم كثرة المتاعب .. وهنا اقدم لأعزائي المسنين من الآباء والأجداد بعض الأفكار قد يجدون فيها السبيل للتخلص من متاعبهم والاستمتاع بحياتهم ..         

وليست الشيخوخة مرحلة مثالية في حياة الإنسان..لكن تبني أفكار سلبية عن الشيخوخة ينطوي علي خطأ في التفكير، ويحول دون فرصة الاستمتاع بالحياة في هذه المرحلة..صحيح أن تقدم السن يرتبط بالكثير من المتاعب لكن هذه المرحلة بها من الأشياء الإيجابية الكثير ونادرا ما يفكر بذلك أحد، فالمسنون لا يتذكرون أنهم حققوا في حياتهم إنجازات كبيرة، وربما يكون لديهم بعض الأشياء إلى يحسدهم عليها صغار السن مثل الزوجة الوفية، والأبناء والأحفاد،والبيت الهادئ، وتضاؤل الأعباء المادية والالتزامات المطلوبة منهم..لكن كل المسنين تقريبا يقولون إن ذلك لا يكفي لأنه تحقق فعلا..وهم الآن بحاجة إلى شئ جديد يفعلونه في حياتهم !!

          ويجب أن يبدأ الاستعداد للشيخوخة مبكرا في مرحلة الشباب ، ولا يتضمن ذلك الاهتمام بالصحة في الصغر أو ادخار الأموال اللازمة فحسب لأن ذلك لا يكفي لتحقيق السعادة والإشعاع ، فالشيخوخة تشبه السفر إلى بلد آخر لم تذهب إليه من قبل ، فالشخص الذي امضي حياته في بلد تعود عليه وعرف كل الأماكن به ثم انتقل إلى بلد جديد لابد أن يستعد بجمع المعلومات عن البلد الذي يريد السفر إليه ، وهناك من الكتب السياحية ما يتم طباعته لهذا الغرض .. وهذا هو نفس الوضع بالنسبة للانتقال من الشباب إلى مرحلة الشيخوخة .. لكننا لا نستعد في العادة لهذه المرحلة ، كما لا يوجد دليل للمعلومات عنها .. ومن هنا تحدث المتاعب في هذه المرحلة .. لكن علينا أن نقرر التخلص من متاعبنا ما أمكن ذلك وان نتعايش مع تقدم السن ونحاول الاستمتاع بالشيخوخة كإحدى مراحل العمر التي علينا أن نقبلها بما لها وما عليها .. ومن وجهة النظر النفسية فإن الاستمتاع بالشيخوخة ممكن .. وهذه بعض الأفكار التي تساعدنا في ذلك ..

          إن الابتعاد عن الحياة مع تقدم السن ليس من الأمور المرغوبة ، فنحن نتكلم ونفكر جيدا حين نكون مع الناس ، وحين نناقش الآخرين ، إن ذلك هو الوسيلة لتدريب قدراتنا العقلية والاحتفاظ بها ومنع أي تدهور قد يصيب العقل والنفس مع تقدم السن ، كما انه الوسيلة لتدعيم ثقتنا بأنفسنا .. إذن .. لا للعزلة .. ونعم لمواصلة الاندماج في الحياة والبقاء مع الناس .

          وشغل الوقت باستمرار بوجود برنامج يومي هو البديل المناسب للفراغ القاتل ، فالفراغ يجعلك تصحو من نومك في أي وقت تشاء ، وتبقي دون تغيير ملابس النوم طوال الوقت ، وتأكل وقت تجوع دون انتظام .. إن الحل الآن أن تبدأ علي الفور في إعداد برنامج يومي مناسب لسنك يتضمن بعض الأعمال التي كنت تقوم بها من قبل .. أو حتى عمل جديد تتعلمه وتستمتع بالقيام به ، وهناك الكثير من الأعمال الخيرية المناسبة يمكن أن تفيد بها الآخرين وتستفيد أنت نفسك .

          وعليك دائما - عزيزي المسن - بالتفاؤل ، وتبني أفكار إيجابية عن الحياة ، فأنت حين تردد لنفسك ما يقوله بعض كبار السن " الشيخوخة كلها متاعب وآلام " فإن مثل هذه العبارة تثير في نفسك الاضطراب والهزيمة واليأس ، أما إذا استبدلتها بعبارات أخرى إيجابية ترددها مع نفسك وفي كل مناسبة مثل: " السعادة موجودة والدنيا بخير " ، أو " الحمد لله .. حالتي احسن من غيري كثيرا " ..فإن ذلك من شأنه أن يملأ حياتك بالتفاؤل ، والفارق كبير بين اليأس والتشاؤم من ناحية ، وبين الأمل والرضا والتفاؤل من الناحية الأخرى .. إن السبيل إلى الاستمتاع بالشيخوخة هو عدم التخلي عن المشاعر الإيجابية ، وعدم الاستسلام لمشاعر اليأس والإحباط ، وعلينا مع تقدم السن أن لا ندع أي شئ يعكر صفو حياتنا ، والوسيلة إلى ذلك هي الاحتفاظ بحالة سن صفاء العقل والفكر وجعل المكان المحيط بنا ملائما يشيع في النفس البهجة . علينا أن لا نضع أمامنا الأشياء التي تثير مشاعرنا، ويجب أن نبقي أمامنا فقط الأشياء الجذابة.

          لا داعي للخوف من تدهور الذاكرة فإن هذه المشكلة يمكن حلها باستخدام مفكرة للجيب يتم تسجيل كل شئ بها ، و لا داعي للخوف والاستسلام للمرض وتغييرات الشيخوخة ، فضعف السمع والبصر والعجز عن الحركة يمكن استخدام بعض الوسائل المساعدة في التغلب عليها ، ولا يمكن لهذه المصاعب إن تحول دون الاستمتاع بالحياة إذا توفرت الإرادة والعزيمة والإيمان القوى .

          وهناك أمثلة كثيرة تؤكد الاستمرار في العطاء والعمل والاستمتاع بالحياة بل والإبداع حتى سن الشيخوخة ، فكثير من الفنانين والأدباء والفلاسفة قدموا إنجازاتهم وهم في سن متقدم .. إننا غالبا نتفق علي الاعتقاد بأن كل جيل يأتي أسوأ من الأجيال السابقة .. لكن ما دام العالم مستمرا علي هذا النحو لأجيال طويلة فلا مانع من أن تكون روحنا رياضية ونقبل الحال علي ما هو عليه لأن الكون لن يتغير وفق ما نريد ، والمطلوب منا أن نستمتع بحياتنا فقط .. وأخيرا تذكروا يا أعزائي إن الشيخوخة ليست شرا خالصا ، وهناك ضوء في الصورة التي يراها البعض قاتمة .. نعم .. فهناك رسالة تم تأديتها .. وإنجازات تم تحقيقها .. وهيبة ووقار وحكمة .. و لا يوجد ما يمنعنا من الاستمتاع بحياتنا حتى أخر العمر.

وهنا نعود مرة أخري لنتأمل المعاني والإشارات في الآية الكريمة من سورة يس التي تصف بدقة علمية بالغة ما يحدث في مرحلة الشيخوخة مع تقدم العمر وصفا احتاج العلم والطب الحديث الي سنوات طويلة حتي يصل الي ما يشير اليه القران الكريم، فسبحان الله العظيم الخالق الذي أحاط بكل شئ علما .

الصفحة الرئيسية