" والعصر . ان الإنسان لفي خسر "    العصر 1 و 2

تعتبر سورة العصر من أقصر سور القران الكريم وترتيبها 103 في سور القران، وهي مكية وآياتها 3، وتبدأ بالقسم بالعصر ويعني الزمان أو الدهر، أو قد يكون ذلك الوقت من النهار التالي للظهيرة والسابق للغروب، والإشارات التي تتضمنها الآية التي وردت بعد القسم تؤكد أن الإنسان يتعرض لخسارة دائمة سنحاول هنا أن نتناولها من خلال بعض الحقائق الطبية والنفسية، كما أن الآية التالية والأخيرة في السورة تشير الي استثناء فئات من الناس ممن يتصفون بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر من هذه القاعدة، وهنا نقدم بعض الحقائق والتأملات حول هذه المسألة .

          وكثيرا ما ينظر الناس الي تقدم العمر والتقاعد عن العمل علي انه مشكلة حقيقية .. وانه البداية لمتاعب التقدم في السن .. والإيذان بدخول الشخص الي مرحلة الشيخوخة ليمضي بها بقية سنوات حياته .. ومن الناحية النفسية فإن التقاعد يرتبط بمشاعر نفسية سلبية .. حيث يعتبره الجميع نهاية رديئة لرحلة العمل الحافلة .. ويرتبط التقاعد بإحساس الشخص بأنه اصبح زائداً عن الحاجة .. وهنا في هذا الموضوع نقدم رؤية نفسية و إسلامية لهذه القضية .. مع إلقاء الضوء علي هذه المرحلة .. بما لها وما عليها .. من مشكلات وهموم .. وكذلك الجوانب الايجابية للتقاعد التي لا يفكر بها أحد .. ثم الحلول المقترحة وكيفية الإعداد لمواجهة التقاعد ..

          والتقاعد .. او الإحالة الي المعاش تعني التوقف عن العمل بالنسبة لمن يقوم بأعمال او يشغل وظائف مختلفة عند بلوغ سن معينة .. وهذه احدى مشكلات الحضارة المعاصرة .. فلم يكن لمثل هذه المشكلة وجود في المجتمعات القديمة حيث كان علي الإنسان ان يظل يعمل حتي يتغلب عليه المرض ويفقد قواه ، لكن ظهور المجتمعات الصناعية جعل من الضروري تطبيق مبدأ التقاعد لكبار السن لتحقيق التوازن بين العمالة الشابة وتجنب البطالة في الأجيال الأصغر سنا .. والحقيقة ان ذلك لا يأتي علي هوى الكبار الذين يرغمون علي ترك العمل لكنه امر لا مفر منه.

          ولعل الإنسان القديم كان أوفر حظا في هذا الجانب .. فلم يكن هناك معاناة من النتائج النفسية الثقيلة لنظام التقاعد الحديث نسبيا .. وقد كان سن التقاعد قبل عام 1925 هو 70 سنة ، ولا يزال حتي الآن في النرويج 72 سنة ، وفي الدانمرك 67 سنة ، وفي أمريكا 65 سنة ، وفي بريطانيا 65 للرجال ، و60 سنة للسيدات ، وفي فرنسا ومصر والكويت 60 سنة ، ومهما كان العمر الذى تحدده السلطات للتقاعد فإن الذين يقومون بأعمال حرة لحساب أنفسهم مثل الأطباء والمحامين والكتاب والسياسيين والفنانين لا يمرون بتجربة التقاعد بل يمكنهم الاستمرار في العمل ما أمكن لهم ذلك دون التقيد بسن معينة

          ولا يرحب الناس عادة بمرحلة التقاعد .. ولهم بعض الحق في ذلك .. حيث يعتبرها الكثيرون فترة خسارة حيث تتابع فيها أنواع مختلفة من الخسائر يترتب بعضها علي البعض الآخر ، فالخسارة المادية تحدث نتيجة لنقص الدخل الذى يحصل عليه المتقاعد مقارنة بدخله أيام العمل ، ويترتب علي ترك العمل ايضا ان يخسر الشخص النفوذ الذى كان يستمده من وظيفته ومنصبه ، فبعد ان كان صاحب هيبة لدى مرءوسيه لم يعد هنا من يعبأ به ، وهناك الخسائر الصحية التي تتمثل في ظهور اعراض تقدم السن والشيخوخة تباعاً مع الوقت ، وتؤدى الإصابة بأى عجز نتيجة للأمراض خسارة لقدرة الشخص علي الحياة المستقلة دون الاعتماد علي الآخرين ...

          وبالإضافة الي ذلك فإن المشاعر النفسية السلبية التي ترتبط بالتقاعد مثل إحساس السلبية التي ترتبط بالتقاعد مثل إحساس الشخص بأنه اصبح زائدا عن الحاجة وأن عليه ان يبقي في انتظار الموت تمثل المشكلة الحقيقية للتقاعد ، وهذا الجانب النفسي عادة ما يمثل أهم هموم المتقاعدين خصوصا في الأيام الأولي عقب ترك العمل حين يضطرون الي تغيير نمط حياتهم بصورة كاملة ..

          إلي هنا .. تبدو الصورة مظلمة وسلبية غير ان هناك جوانب ايجابية في مسألة التقاعد لا يفكر بها أحد .. إن فترة التقاعد قد تطول لتصل الي ربع او ربما ثلث مجموع سنوات الحياة ، ولذلك يجب التفكير في الاستمتاع بهذه المرحلة من العمر ، والهروب من مسئوليات وأعباء العمل شئ إيجابي رغم ان كل المتقاعدين تقريباً لا يذكرون إطلاقا مشكلات العمل ومساوئ الالتزام بمواعيده وأعبائه ، ويفكرون فقط في الأشياء الجيدة والممتعة أيام العمل ، ويتحسرون علي تلك الأيام ، ويتمنون ان تعود ، وقد يكون التقاعد فرصة مناسبة لإعادة تنظيم الكثير من امور الحياة ، والقيام بأعمال او ممارسة هوايات لم تسمح بها الارتباطات السابقة أيام العمل .

          ومن الناحية النفسية .. فإن الحياة المستقلة في هذه المرحلة افضل من التفكير في الانتقال للإقامة مع الأبناء والأقارب دون مبرر قوى حتي لا يصبح الشخص عبئا ثقيلاً علي الآخرين ، كما ان اختيار المكان الذى يقيم فيه الشخص عقب التقاعد قد يساعد علي التأقلم فالبعض يفضل الانتقال الي مكان جديد بعد ان كانت إقامته ترتبط بمكان عمله غير ان الأفضل بصفة عامة هو بقاء الإنسان في المسكن الذى تعود عليه والمنطقة التي أقام بها ويعرفه الناس من حوله ، ومن الأمور الهامة التي نُذكر بها كل من وصل الي هذه المرحلة هي ضرورة الابتعاد تماما عن العادات الضارة بالصحة مثل تعاطي المواد الضارة أو التدخين لأن ذلك يؤدى الي عواقب سيئة ، وإذا كان هناك بعض العذر في ذلك للمراهقين والشباب فإن كبار السن لا يجب ان يسهموا عن طريق استخدام هذه الأشياء في تدمير ما تبقي من الصحة وقد لا يسمح الوقت بتصحيح ما يرتكبه المرء من أخطاء في هذه المرحلة التي تتطلب الاعتدال في كل شئ .

          وثمة سؤال أخير نطرحه هنا .. هل التقاعد نهاية أم بداية ؟! .. ان الإجابة علي هذا التساؤل تظل مفتوحة للنقاش .. فكلا الاحتمالين ممكن .. ومهما كانت السن التي تحددها السلطات للتقاعد عن العمل فإنني - من وجهة النظر النفسية - أري انه يمكن ان يكون بداية مرحلة جيدة في حياة الإنسان ، او علي الأقل ليست علي درجة كبيرة من السوء كما يتصور البعض .. وهناك من يقول بأن الحياة تبدأ بعد الستين .. او بعد الخامسة والستين .. اى ان بوسع الإنسان ان يظل يستمتع بحياته حتي آخر العمر

وفي ختام هذه الخواطر والتأملات حول سورة العصر نشير الي قول أحد المفسرين في فضل هذه السورة وهي كما ذكرنا من أقصر سور القران الكريم أن الله سبحانه وتعالي لو لم ينزل سوي هذه السورة القصيرة لكانت تكفي شاهدا علي الناس وهداية لكل من له عقل يتأمل به الإشارات والمعاني التي وردت في آياتها الموجزة التي يتقدمها القسم بالعصر ويليه تأكيد الحقيقة التي قد يغفل عنها معظم الناس، ثم الطريق الي النجاة في الدنيا والآخرة بالإيمان والعمل الصالح والتمسك بالحق والصبر، فسبحان الله العظيم .    

الصفحة الرئيسية