" وتحبون المال حبا جما "    الفجر 20

وردت هذه الآية الكريمة في سورة الفجر وهي مكية وآياتها 30، وتبدأ بالقسم بالفجر وغيره من الظواهر الكونية، وتتضمن آياتها عرض بعض الحقائق النفسية حول الطبائع والسمات والسلوكيات التي يتصف بها الإنسان في مختلف الأحوال، وفي نهايتها بشري للنفوس المطمئنة ووعد بالعودة الي الله راضية فائزة بدخول الجنة، وفي مواضع أخري كثيرة في آيات القران الكريم إشارات نفسية تتضمن تحليلا عميقا للعلاقة بين الناس والمال، منها ما يتعلق بميل الإنسان لجمع الأموال، وتأثير هذه الأموال علي حياة الناس وسلوكياتهم، وجوانب أخري لهذه المسألة .

وردت إشارات متعددة في آيات القرآن الكريم تشير الي العلاقة المعقدة بين الناس والأموال.. سواء من رغبة الإنسان في تملك أكبر قدر من الأموال وسعيه الي ذلك بمختلف الوسائل، أو الآثار النفسية لحب المال وما يترتب على إنفاقه في الأوجه المختلفة..إيجابيا أو سلبيا ..وهنا نتأمل في هذا الموضوع من المنظور الإسلامي من خلال بعض آيات القرآن الكريم ، ومن المنظور النفسي من خلال الحقائق التي توصل اليها علماء النفس حول علاقة الناس بالمال أو "الفلـوس".

          والمال أو الفلوس .. كلمة السر التي يدور حولها الكثير من اهتمام الناس .. وهمومهم أيضاً .. وكما أن الفلوس (أو النقود) هي رمز للرزق أو المكسب الاقتصادي والرفاهية ، فإنها أيضاً - من وجهة النظر النفسية - مصدر للقلق ، وسبب في كثير من الاضطرابات النفسية ..

          وقد ورد في آيات القرآن الكريم أن المال قد يكون له من الآثار السلبية ما يجعله فتنة أو في تعبير أخر عدو للإنسان يجب عليه أن يحذره ... والعلاقة بين الحالة الاقتصادية ، أو حالة الإنسان من حيث الفقر والغني وما يمتلكه من أموال وبين الحالة النفسية للشخص وما يصيبه من انفعالات واضطرابات كانت ولازالت أحد موضوعات البحث بالنسبة لعلماء النفس ..       وكما نلاحظ فإن المال يأتي في المقدمة حيث يقلق الشخص علي وضعه المادي  سواء كان فقيراً يشغل باله الحصول علي الفلوس ، أو غنياً يخشى أن يخسر أو يفقد ما لديه منها !!

          ومن المنظور الإسلامي وكما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة أن الإنسان سوف يسأل في الآخرة عند الحساب عن ماله ... مم أكتسبه و فيم أنفقه ؟ .. ويدل ذلك على أهمية الطريقة الني يحصل بها كل منا على الأموال وكذلك البنود التي ينفق هذه الأموال فيها، ومن الناحية العملية .. لا توجد علاقة مباشرة بين مستوى ذكاء الفرد وحالته الاقتصادية أو وضعه المالي ، وكثير من الناس رغم ارتفاع مستوى قدراتهم لا يمكن لهم الوصول إلي حالة الثراء أو كسب الكثير من المال باستخدام الذكاء والحيلة ، كما توجد نماذج أخرى من متوسطي الذكاء بل وأصحاب القدرات المحدودة يتوفر لهم كسب مادي كبير ، ولا يوجد تفسير نفسي لذلك حيث أن مسألة الرزق تظل خارج الكثير من الحسابات العلمية ، فلا تجد تفسيراً لنجاح شخص فشل في التعليم نتيجة للبطء في التحصيل الدراسي في أن يجمع ويدير ثروة كبيرة .. بينما يعيش زميله الذى تفوق في الدراسة وحصل علي قدر كبير من التعليم في حالة من الفقر !!

          .

          وحين نتأمل المنظور الإسلامي لقضية المال نجد أن الجانب النفسي في المسألة قد ورد ذكره بصورة مباشرة في آيات القرآن الكريم في قوله تعالي : " زين لناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة "ال عمران14.. ومن قوله تعالي : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا.. الكهف 46.."ومع التأكيد علي اهتمام الناس بالمال وحرصهم علي الحصول عليه فإن آيات القرآن الكريم تتضمن تحذيراً من الاتجاه إلي الإسراف في أنفاق المال وتبذيره ، أو إمساك المال والبخل في أنفاقه والحرص علي اكتنازه حتي يؤدى وظيفته حين يتم التعامل فيه باعتدال .

          ومن المنظور الإسلامي فإن الإنسان مطلوب منه أن يهون علي نفسه من الأمور التي تخص المال ولا ينزعج للمكسب أو الخسارة ، ولا يساوره القلق بشأن المال لأن الرزق مكفول ومقدر ، ولا يعتمد فقط علي السعي أو الحيلة ، ويؤكد ذلك قوله تعالي : " وفي السماء رزقكم وما توعدون " وقوله تعالي : " أن الله يرزق من يشاء بغير حساب " .. وهذا كفيل بأن يهدئ من روع الذين يقلقون بشأن المستقبل واحتمالات الخسائر المادية التي تهدد بالفقر والحاجة رغم أن الرزق من عند الله سبحانه وتعالي ، ونذكر هنا رؤية الإمام علي بن أبي طالب حول الحيلة في الرزق التي يلجأ إليها الكثير من الناس للحصول علي المال بأية وسيلة حين ذكر أن الرزق نوعان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، ولا شك أن في حياة كل منا مثالاً علي كسب مادي غير متوقع حصلنا عليه ، وآخر حاولنا بالجهد الحصول عليه فأمكننا أو لم يمكننا ذلك .

          ومن وجهة النظر النفسية فإن الفلوس .. أو ما أطلقنا عليه هنا المال .. أو الرزق .. لاشك مسألة هامة للإنسان في حالة الصحة والمرض النفسي .. ليس فقط لأنها الدافع وراء الكثير من أنواع السلوك الإنساني ، وليس لأنها السبب وراء الكثير من الاضطرابات النفسية المرضية ، ولكن لأنها تمثل حاجة إنسانية رئيسية وأحد الهموم الأساسية التي يدور حولها نشاط الإنسان في الحياة وتشغل بالهم ورغم أن الحكمة تقتضي أن يضع الإنسان موضوع الفلوس والحصول علي الأموال في حجمه الطبيعي .. فلا يكون الحصول علي المال هدفاً علي حساب أوجه الحياة الأخرى ، إلا أن الناس كثيراً ما يقفون من الفلوس موقفاً آخر يتسم بالضعف في مواجهة إغراء المال ، وبعد الحصول عليه يكتشفون خطأ ذلك لأن هناك الكثير من الأشياء لا يمكن أن تحققها الفلوس أو يعوضها الثراء . ولعل المنظور الإسلامي المتوازن في مسألة الأموال هو الحل الأمثل لما تسببه الفلوس من"آثار جانبية"( مثل الدواء الذى يعالج مرضاً ويتسبب في مشكلات صحية أخرى أسوأ ) .. لا بأس إذن من السعي في الحياة وطلب المال ، والتطلع إلي الثراء بطريقة مشروعة . مع الحرص علي ان يتم ذلك في جو من الاطمئنان وراحة البال ودون مبالغة في القلق .. لأن المال لا يساوى شيئاً إذا تحول إلي مصدر للهموم والقلق، وحاجة الواحد منا للأموال ليست مسألة مفتوحة أو بكمية لا تنتهي بل هي محدودة تحكمها الفترة الزمنية التي نتوقع أن نمضيها في هذه الدنيا قبل أن ينتهي عهدنا في الحياة ، فلا مبرر إذن أن ننساق وراء الرغبة في جمع أموال لن نحتاجها بل ستضاعف من همومنا .. ثمة كلمة أخيرة في مسألة الفلوس قبل ختام هذه التأملات النفسية في هذا الموضوع الهام ..الفلوس قد تكون مصدراً للهموم وليست مفتاحاً للسعادة .. لا داعي للقلق حول المال فالرزق من عند الله .. سيأتيك ما قسم الله لك .. وسبحان الله تعالي الذي جاء في كتابه الكريم ما يشير الي مثل هذه القضايا والمسائل المتعلقة بالنفس الإنسانية وعلاقتها بالمال قبل قرون طويلة من تطور علم النفس الحديث وما توصل اليه من مفاهيم يتفق مع ما أنزله الله سبحانه وتعالي على النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام.

وبعد فقد كانت الإشارات النفسية في آيات القران الكريم والتي تتعلق بالعلاقة بين الناس والأموال، وما يحيط بها من جوانب نفسية معقدة ومتشابكة خير دليل علي أن في كتاب الله الكريم ما يفوق كثيرا ما جاء به علم النفس والطب النفسي الحديث من معلومات تكشف الحقائق حول هذه المسألة التي وردت واضحة في آيات القران الكريم حين أنزله الله سبحانه علي رسوله الكريم، فسبحان الله العليم الحكيم .

الصفحة الرئيسية