" ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه "    ق 16

ورد في آيات القران الكريم إشارات الي الوساوس في مواضع مختلفة منها هذه الآية الكريمة من سورة ق وهي مكية وآياتها 45 ، وتبدأ بالقسم بالقران المجيد، وتشير الآية الي إحاطة الله الخالق بما يدور في نفس الإنسان من وساوس، وقد ورد الحديث عن الوسواس أيضا في موضع آخر في سورة الناس آخر سور القران الكريم ( رقم 114 ) وفيها استعاذة بالله من شر الوسواس الخناس، ولعل في هذه الإشارات ما يدفعنا الي توضيح الحقائق من المنظور العلمي والنفسي والديني حول موضوع الوسواس .

          وحين يتحدث الأطباء النفسيون عن موضوع الوسواس القهرى فإنهم دائماً يقصدون بالوسواس أحد الأمراض النفسية الهامة التي لا يزال علاجها يمثل صعوبة لهم .. وليس ما يقصده العامة عادة بالتفكير في وساوس الشياطين التي تمارس تأثيرها من خلال الإيحاء للإنسان بأعمال شريرة .. ومرض الوسواس القهرى كان ينظر إليه في السابق علي أنه حالة نفسية نادرة يعاني منها قليل من المرضي ولا تستجيب للعلاج .. أما في وقتنا الحالي .. ومع التطور الهائل في أبحاث الطب النفسي فإننا نعتبر حالات الوسواس القهرى من الأمراض النفسية شائعة الانتشار .. ولم يعد العلاج ايضاً مستعصياً كما كان من قبل  ويعتبر مرض الوسواس القهرى(OCD)Obsessive Compulsive Disorder أحد الأمراض النفسية الرئيسية حيث تعاني منه نسبة كبيرة من الحالات علي عكس ما كان التصور من قبل أنه حالة نادرة الحدوث،وتفيد آخر الإحصائيات في مراجع الطب النفسي الحديثة أن نسبة2-3% من الناس معرضون للإصابة بمرض الوسواس القهرى علي مدى سنوات حياتهم،وهذا الرقم كبير جداً لأن معناه وجود عشرات الملايين من مرضي الوسواس القهرى في أنحاء العالم ، كما تذكر إحصائيات أخرى أن نسبة 10% آي واحد من كل 10 أشخاص يترددون علي العيادات النفسية يعاني من هذا المرض النفسي ، وبذلك يعتبره الأطباء النفسيين في المرتبة الرابعة من حيث الانتشار بعد حالات المخاوف المرضية ، وحالات الإدمان ، ومرض الاكتئاب النفسي ، ويصيب الوسواس القهرى الرجال والنساء في كل الأعمار تقريباً غير أن أكثر الحالات تبدأ في سن العشرين وحتى الخامسة والثلاثين .

          ومعني الوسواس القهرى أن المرض يؤدى إلي تكرار المريض لعمل معين أو سيطرة فكرة محددة علي عقله بحيث لا يستطيع التوقف عن ذلك رغماً عنه مهما حاول مقاومة الاستمرار في هذا العمل أو التفكير ، ولعل السبب في استخدام وصف " القهرى " لهذه الحالة هو أن المريض لا يمكنه مهما كانت إرادته أن يتخلص من الوساوس التي تكون في صورة أفعال أو أفكار أو مخاوف رغم علمه واقتناعه تماماً أنها أشياء وهمية وغير معقولة ولا مبرر لها ، ومع ذلك لا يملك سوى الاستمرار فيما يفعل أو يفكر حتي لا يعاني من قلق هائل لا يستطيع احتماله .

          ويسأل المرضي وأقاربهم دائماً عن السبب في الإصابة بمرض الوسواس القهرى ولا يكون في مقدور الأطباء النفسيين تحديد الأسباب المؤكدة في كثير من حالات الوسواس القهرى،غير أن ذلك أمر ينطبق علي كثير من الأمراض النفسية الأخرى حيث تتداخل عوامل كثيرة لتكون أسباباً محتملة للإصابة،ورغم أن ما يقرب من50% من الحالات تبدأ فيها الأعراض عقب التعرض لمشكلات أو ضغوط نفسية      وهناك ما يؤكد العامل الوراثي وراء مرض الوسواس القهرى حيث أن نسبة35%من أقارب المرضي يعانون من حالات مشابهة،وقد ثبت علمياً وجود تغييرات كيماوية في بعض المواد التي يفرزها المخ مثل مادة "السيروتونين" في مرضي الوسواس القهرى ربما كانت السبب في المرض .

          ويلاحظ أن بعض الناس العاديين لديهم ميل إلي الشك والدقة في أعمالهم بما يشبه الوساوس،ويعرف ذلك بالشخصية الوسواسية وهي صفات لهؤلاء الناس لا يمكنهم التخلي عنها ولا تحتاج إلي علاج ، كما أن علماء النفس يفسرون الوساوس القهرية علي إنها انعكاس لبعض المشاعر الداخلية،والمثال علي ذلك أن من يكون لديه شعور داخلي بالقذارة ينعكس ذلك في صورة تكرار مفرط في الاغتسال بحثاً عن النظافة!!

          وليست حالات الوساوس نوعاً واحداً..لكنها تأخذ صوراً متعددة منها الأعمال الوسواسية،والمثال عليها تكرار غسيل الأيدي مرات متعددة عقب لمس آي شئ أو مصافحة آي شخص،والمبالغة في غسل الملابس أو تنظيف المنزل مرة عقب مرة في نفس اليوم،والشك في إغلاق النوافذ والأبواب والمرور عليها أكثر من مرة للتأكد من ذلك،أو تلاوة بعض الكلمات لعدد كبير من المرات عند بداية آي شئ،وهناك الأفكار الوسواسية التي تأخذ صورة التفكير في مسألة أو قضية لا حل لها مثل مشكلة : أيهما وجد أولاً البيضة أم الدجاجة !؟.. أو مسائل دينية تتعلق بخلق الإنسان ، ومصيره بعد أن يموت ، أو التفكير في الجن والشياطين وما أشكالها وكيف تعيش !؟.. ورغم أن هذه المسائل تبدو للشخص العادى موضوعات سخيفة ولا أهمية لها إلا أنها تستغرق تماماً مرضي الوسواس وتسيطر علي تفكيرهم بدرجة لا تقاوم ، وتعوقهم عن أداء أعمالهم!!

          وبالنسبة لنا - نحن الأطباء النفسيين - فإن حالات الوسواس القهرى كانت ولا تزال تمثل تحدياً كبيراً لقدرتنا علي علاجها ، ويكون الوصول إلي التشخيص سهلاً في معظم الحالات لكن العلاج يتطلب وقتاً وجهداً مشتركاً من الطبيب والمريض علي حد سواء ، وبعض الحالات لا تستجيب بصورة مرضية ، وقد ثبت أن 1/4  الحالات فقط تتحسن وتشفي بالعلاج ، و1/4 الحالات تزداد تدهوراً رغم العلاج ، أما النسبة المتبقية وهي تمثل نصف مرضي الوسواس القهرى تقريباً فإن معاناتهم تستمر دون تغيير يذكر رغم العلاج علي مر السنين .

          والعلاج الدوائي لحالات الوسواس القهرى يعتبر الاختيار الذى لا مفر منه في كل الحالات ، ويجب أن يكون واضحاً من البداية لكل من الأطباء والمرضي وأقاربهم أن العلاج يتطلب وقتاً طويلاً ويحتاج إلي الصبر حتي تظهر نتائجه ،

وفي النهاية فان الإشارات التي وردت في آيات القران الكريم حول الوسواس تسبق ما جاء في مراجع علم النفس والطب النفسي الحديث بمئات السنين حول هذا الموضوع الذي لم يتم التوصل سوي للقليل من المعلومات حول أسبابه وتشخيصه وعلاجه، فسبحان الله الحكيم الذي أحاط بكل شئ علما .

الصفحة الرئيسية