" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين "     أل عمران 139

ان المراقب لأحوال المسلمين في هذا العصر علي امتداد العالم الإسلامي لابد أن يتألم ويحزن لما يتعرضون له في مناطق متعددة من ظلم وقهر وتسلط وهوان ، ولعل ما يعانيه إخواننا في فلسطين والعراق مثال علي ذلك ، وكذلك ما يحدث علي امتداد العالم الإسلامي في أفغانستان وكشمير والشيشان والبلقان، ووضع الاقليات المسلمة في بلدان الشرق والغرب ومعاناة الإنسان المسلم في هذا الزمان وفي مثل هذه الحالات لا نملك سوي العودة الي كتاب الله وتأمل ما ورد في آياته، ومنها هذه الآية الكريمة من سورة أل عمران، وفيها خطاب من الله سبحانه وتعالي الي عباده المؤمنين من شأنه أن يساعدهم علي مواجهة الأزمات والشدائد

 ومع متابعة العالم للأحداث والحروب الأخيرة في فلسطين و العراق بما تضمنته  من مشاهد قاسية للانفجارات والغارات الجوية والقذائف التي تحدث الدمار الهائل ، ومشاهد القتلى والجرحى والمصابين ، ثم ما تبع ذلك من مظاهر الفوضى فقد لاحظت بحكم عملي في مجال الطب النفسي بداية ظهور الآثار النفسية السلبية لهذه الحرب وهذه المشاهد الأليمة مبكرا حتي قبل أن تضع هذه الحرب أوزارها كما ينظر أن تظهر بقية تداعياتها ومضاعفاتها النفسية مع الوقت ، لكننا نستطيع ان ترصد ظواهر نفسية وأثار لهذه الأزمة تتمثل في الإحباط العام والاكتئاب و الخوف و القلق الجماعي ، وربما يؤدى ذلك الي زيادة محتملة في انتشار الاضطرابات النفسية ومن أهمها الحالة التي نتحدث عنها في هذا الموضوع وتعرف اختصارا PTSD  وتعني اضطراب الضغوط والكرب المصاحب والتالي للصدمات النفسية وهنا نلقي الضوء على هذه الحالة بشيء من التفصيل.

وتعتبر هذه الحالة من الاضطرابات الهامة التي تحدث عقب التعرض للصدمات والأزمات الشديدة ونتيجة لها حيث يتأثر الناس كرد فعل للضغط والكرب والمواقف الأليمة التي يتعرضون لها والتي تفوق طاقة الاحتمال للكثير منهم ، ورغم أن الإنسان يتعرض منذ القدم للمواقف والأزمات مثل الكوارث الطبيعية و الظواهر المدمرة والصراعات والحروب فقد أصبحت أثار هذه المواقف وما تسببه من اضطرابات نفسية وجسدية موضع اهتمام كبير في العصر الحالي عقب حدوث الحروب العظمي الأولى والثانية في القرن العشرين ثم سلسلة أخري من الحروب والصراعات في أماكن مختلفة من العالم بما يؤثر على الجماعات والأفراد ويتسبب في أثار نفسية سلبية.

وقد أصبحت حالة اضطراب الضغوط التالية للصدمةPosttraumatic Stress Disorder

محل دارسة واهتمام من جانب الأطباء النفسيين حيث أنها تصيب واحد من كل أربعة من الذين يتعرضون للمواقف الصعبة أثناء الحروب أو يتابعون مشاهد القتلى والجرحى والدمار أي بنسبة 25% ويزيد حدوث هذه الحالة في الأزمات التي تعتبر من صنع الإنسان  مثل الحروب والغارات والتعرض للعنف بصورة تفوق ما يحدث نتيجة للكوارث الطبيعية.

وتحدث الإعاقة النفسية عقب التعرض لمواقف الأزمات أو الحروب أو متابعة مشاهدها وقد تبدأ الأعراض في  الظهور مبكرا أو تتأخر لبعض الوقت حتي تظهر في وقت لاحق ، ومن وجهة النظر النفسية فأن أول ما يلاحظ على الأفراد والجماعات بعد التعرض لهذه المواقف هو استقرار هذه المشاهد في أذهانهم ، ثم يبدأ المصاب بعد ذلك في استعادة تفاصيلها التي تظل ماثلة في ذاكرته 

وفى النهاية فأننا نركز على أهمية وضع الآثار النفسية للأزمات والحروب على سلم الأولويات والاهتمام بتحديد حالات الإعاقة النفسية عقب الأزمات في كل شرائح لمجتمع مع الاهتمام الخاص ببعض الشرائح مثل الأطفال الذين يعانون من بعض الاضطرابات الانفعالية واستخدام كل الوسائل العلاجية المناسبة ومتابعة الحالات عن طريق عملية تأهيل مدروسة للتخلص من هذه الآثار والعودة إلى الحياة من جديد.

 وفي الختام فان المسلم عليه في كل الأحوال العودة الي القران الكريم حين تحيط به الشدائد ليجد في آياته العون علي مواجهتها وتجاوزها مستعينا بالله تعالي فانه سبحانه القادر علي كل شئ .

الصفحة الرئيسية