" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء "    البقرة 268

تشير هذه الآية من سورة البقرة الي أعمال الشيطان والكيفية التي يؤثر بها علي الإنسان والتي كانت ولا تزال من الموضوعات التي يحيط بها الغموض ، لكن آيات القران الكريم تكشف في مواضع متعددة الكثير من الحقائق حول عالم الشياطين المجهول .

 ولم يخطر علي بالي من قبل الكتابة في هذا الموضوع بجوانبه النفسية والروحانية والدينية لكنني وجدت ان بعض المفاهيم تحتاج الي تعديل .. وبعض المشكلات تتطلب التوضيح من وجهة نظر الطب النفسي ..

          والشيطان معروف للجميع .. وهناك من الكتب والمؤلفات الكثير حول كل ما يتعلق به من النواحي الدينية ، وقد صادفني مؤخراً بحث علمي بعنوان " الشيطان في الفكر الإسلامي " ، كما طالعت في احدى المكتبات عناوين لكتب منها " تلبيس إبليس " ، و " إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان " .. وغير ذلك كثير .. كما قرأت ان الشيطان ورد ذكره في القرآن الكريم 88 مرة وفي الأحاديث الشريفة 1070مرة ، وإبليس ذكر في القرآن 11 مرة وفي الحديث 56 مرة ..

          وهناك اعتقاد قوى لدى قطاعات كبيرة من الناس خصوصاً المصابين باضطرابات نفسية وأقاربهم بأن هناك قوى خفية تسببت في إصابتهم بالمرض النفسي ، وهم يتفقون علي ذلك وكأنه حقيقة مسلم بها ، ويظل الخلاف في الكيفية التي يعمل بها الجن او الشياطين فيتصور البعض انهم يدخلون الي داخل جسد الإنسان ويسببون له الاضطراب الذى لا يشفي آلا بخروجهم منه ، ويعتقد البعض الآخر ان مجرد المس من جانب هذه المخلوقات يكفي لحدوث المرض ، ويرى آخرون ان المسألة هي وساوس يقوم بتوجيهها الشيطان الي ضحاياه عن بعد ..

          والشيطان في كل الحالات متهم بأنه السبب الرئيسي وربما الوحيد وراء المرض النفسي علي وجه الخصوص وأحيانا بعض الحالات المرضية الاخرى ، ويدفع هذا الاعتقاد الكثير من المرضي الي طلب العلاج لدى الدجالين والمشعوذين الذين يتعاملون مع الجن والشياطين دون التفكير في اللجوء الي الطب النفسي ألا بعد مرور وقت طويل من المعاناة .

          وبحكم العمل في الطب النفسي فإن نسبة لا تقل عن 70% من المرضي يذهبون في البداية الي المعالجين الشعبيين او المشعوذين قبل ان يفكروا في زيارة الطبيب النفسي ، ورغم انه لا يوجد دليل واحد علي علاقة الشيطان بالأمراض النفسية فإن بعضا من المتعلمين الي جانب البسطاء لا يستطيع فهم الحقائق العلمية التي تؤكد ان غالبية الأمراض النفسية الرئيسية قد تم التوصل الي معرفة أسبابها وإنها نتيجة تغييرات كيميائية في الجهاز العصبي يمكن علاجها عن طريق تعديل الخلل الذى يعاني منه المريض باستخدام الادوية النفسية الحديثة ، وكما سنعرض نماذج لذلك في هذا الموضوع فإن الشيطان ليس له دور مطلقاً في هذه المسألة .

          ومن الحالات الغريبة التي يتناقل الناس الحديث حولها في المجتمعات العربية حالات لمرضي يغيبون عن الوعي ويبدأ الشيطان او الجن في الحديث من داخلهم !! .. فالكلام يصدر عنهم لكنه بنبرات واسلوب يختلف عن طريقتهم المعتادة في الحديث ، والكل هنا يؤكد ان المتحدث هو المخلوق الغريب بداخلهم ،

والواقع إنني شخصياً قد استمعت الي مثل هذه الأشياء في حياتي العملية عدة مرات .. لكن هذه الحالة ايضاً لا علاقة لها بالشيطان نهائياً ، والمتحدث هنا هو المريض نفسه وهو في حالة نطلق عليها التحور الهستيري يغيب فيها عن الوعي مؤقتاً وتظهر بعض محتويات عقله الباطن فيقوم بالتنفيس عن بعض رغباته المكبوتة ويهرب من الواقع والضغوط التي لا يحتملها فيتصور الجميع ان بداخله شيطان يتكلم ، وهذه الحالات لا تحتاج الي جلسات " الزار " او الذهاب الي الدجالين ، او ضرب المريض بقسوة لإخراج الجن ، كل ما في الأمر هو تهدئة المريض وبحث حالته النفسية والتعامل مع الضغوط التي يتعرض لها ، وهنا تتحسن الحالة دون تعامل مع الشيطان .

اما الهلاوس Hallucinations فهي ان يتصور المريض انه يرى أشباحا او يسمع أصواتا تتحاور معه او تهدده او تأمره بأن يفعل أشياء معينة ، وقد يفسر الناس ذلك بأن الشياطين هي التي تفعل ذلك ، لكن ومن وجهة نظر الطب النفسي هي وجود خلل في جهاز الاستقبال لدى المريض يجعله يستقبل صوراً وأصواتا لا وجود لها ، وهذه الحالات ايضاً تتحسن بالعلاج بالأدوية الحديثة ولا دخل للشيطان في هذه الأعراض النفسية المرضية التي تحدث في مرضي الفصام والأمراض العقلية الذهانية .

وفي ختام هذا الموضوع حول الشيطان والمرض النفسي فإننا نذكر بعض الحقائق العلمية الهامة ، التي تمثل وجهة نظرنا في هذه المسألة .. وهي :

  *  لا دخل للشيطان بالأمراض النفسية والعضوية التي تصيب الإنسان ، وأسباب هذه الأمراض اكتشف الطب جوانب كبيرة منها ، وتوصل الي علاجها بعيداً عن اى قوى خفيه .

  *  لا يوجد ما يدعو الي تعظيم شأن الشيطان بأن ننسب اليه أشياء كثيرة مع انه كما نعلم من نصوص القرآن اضعف من ذلك بكثير ولا يستطيع السيطرة علي الإنسان آلا من خلال قدرته المحدودة علي الإغواء لبعض الناس ممن لديهم الاستعداد لذلك .

  *  القضية التي ناقشناها هنا في هذا الحيز المحدود بعيدة عن اى جدل فقهي ، والمطلوب هو حملة توعية لتوضيح الحقائق حتي لا يختلط العلم والإيمان بالخرافة والدجل .

  *  الممارسات التي يقوم بها أدعياء الطب والدجل والشعوذة باستغلال معتقدات الناس حول الشيطان وعلاقته بالمرض النفسي يجب ان يتم وضع حد لها بعد ان تطور الطب وتوصل الي كشف الكثير عن أسباب وعلاج هذه الحالات .

وأخيرا .. لعل الإشارات النفسية في آيات القران الكريم حول هذا الموضوع تقدم التوضيح للحقائق بما يكفي لإشباع الفضول وكشف الغموض الذي يحيط به بصورة لم يتمكن منها العلم الحديث الذي يجد نفسه عاجزا عن تفسير وتوضيح الكثير من الظواهر ، فسبحان الله الذي وسع كل شئ علما .

الصفحة الرئيسية