" اذ يربكهم الله في منامك "    الأنفال 43

تم تناول ظاهرة الأحلام في مواضع متعددة في آيات القران الكريم منها هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال في خطاب الله الي رسوله صلي الله عليه وسلم ، ولعل أكثر الإشارات المتعلقة بالأحلام وضوحا القران الكريم تلك التي وردت في الآيات الأولي من سورة يوسف حول حلم هذا النبي الكريم " اذ قال يوسف لأبيه يا أبت آني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " يوسف 4 وقد ورد في نهاية هذه السورة تفسير هذا الحلم وعندها قال : يوسف عليه السلام " يا أبت هذا تأويل رؤياي " ، كما ورد في آيات نفس السورة تفاصيل عن قدرة هذا النبي الكريم علي تأويل الأحلام من خلال تفسيره لحلم صاحبيه في السجن ، وللنبؤة التي وردت في حلم فرعون مصر حول البقرات السمان والعجاف التي ترمز الي سنوات القحط والرخاء ، وهنا نلقي بعض الضوء علي ظاهرة الأحلام من خلال المنظور العلمي والإسلامي .

          وقد كانت الأحلام منذ القدم من الموضوعات التي استحوذت علي اهتمام الإنسان ، ومع تقدم العلم بدأ عهد جديد في الاهتمام بالأبحاث العلمية لكشف أسرار الأحلام ، ومحاولة فهم منشأ الحلم ومعناه ، وفي هذا الموضوع وصف للمنظور النفسي لخصائص الأحلام ،ليتم تناول هذا الموضوع في سياق اكثر شمولاً .

          والأحلام هي نتاج لنشاط عقلي يحدث أثناء النوم ، وهي ظاهرة صحية لا تعني وجود اضطراب غير طبيعي  وهذه بعض الحقائق حول منشأ الأحلام ومعناها :

  ·  يتم الحلم علي مستويين هما :

1) استرجاع بعض الأحداث التي مرت بنا أثناء النوم ، والأمور التي تشغل بالنا قبل النوم مباشرة .

2) مستوى اعمق يتضمن الأفكار والصراعات والرغبات الكامنة في العقل الباطن .

 · الحلم فرصة متاحة للتنفيس عن محتوى العقل الباطن ، ويصفه علماء النفس بأنه " البداية الملكية " للوصول الي معرفة محتويات اللاشعوري ، ويتم استخدام تفسير الأحلام في العلاج النفسي .

 · للحلم وظيفة هامة في احتفاظ العقل بحالة من اللياقة أثناء النوم حتي لا يتكاسل حين يعود الي اليقظة ، ومن النظريات ما يفترض ان للأحلام وظيفة بيولوجية حيث يتم خلالها " تنظيف " المخ باستبعاد المعلومات الزائدة حتي يواصل أداء وظائفه بكفاءة .

 · للأحلام بعض المعاني ظاهرة يمكن التعرف عليها عند سردها ، ولها ايضا معان خفية لا يمكن فهمها دون توفر معلومات عن الشخص الذى رأى هذا الحلم في نومه .

وهنا نذكر بعض النقاط فيما يتعلق بتفسير الأحلام :

 ¨  يتضمن الحلم عادة تغييرا في خصائص الزمان والمكان ، فيذكر النائم انه يرى في نفس الحلم أشخاصا وأحداثا من الماضي البعيد والقريب ، وظاهرة التكثيف Condensation تعني إننا نحلم خلال ثوان او دقائق بأحداث تمتد علي مدى سنوات طويلة ، كما إننا نحلم بأحداث تقع في أماكن مختلفة متباعدة في نفس الوقت .

 ¨  تتميز الأحلام ايضا بظاهرة الرمزية Symbolism ، وتعني وجود رموز معينة لها مغزى ودلالة تشير اليها ، كما يتضمن الحلم عملية الإزاحة Displacement التي تعني وضع الأفكار بعيداً عن مكانها الأصلي في سياق مختلف يبدو كأنه لا معني له حيث تظهر الموضوعات الحساسة في إطار مقنّع لإزالة ما يرتبط بها من انفعال .

 ¨  وهناك التفسير الذى يقوم علي النواحي الإبداعية ، وحل المشكلات الصعبة عن طريق الأحلام ، والوسيلة الشائعة لتناول الأمور المعقدة بأن تنام عليها حتي يمكن حلها " Sleep On It " ، ومن أمثلته ما يروى عن العالم الألماني الذى ظل يحاول لفترة الوصول الي التركيب الكيميائي للبنزين دون جدوى حتي نام وحلم ذات ليلة أنه يرى 6 ثعابين تكون حلقة فاهتدى الي تكوين البنزين في حلقة سداسية بها 6 ذرات من الكربون ، ويدل ذلك علي ان تداعيات الأحلام قد تساعد علي حل لبعض الأمور التي يتم بحثها في اليقظة .

 ¨ شهد مجال تفسير الأحلام الكثير من الاجتهادات بالنسبة لمغزى رؤية الحيوانات كالقطط والكلاب بألوانها البيضاء والسوداء ، وأنواع الطعام المختلفة ، ويتم ذلك بناء علي جمع معلومات من أعداد كبيرة من الحالات . .

والمنظور الإسلامي للأحلام والرؤى يمكن التعرف عليه من خلال ما ورد في القرآن الكريم حول رؤية يوسف عليه السلام وهو صغير السن مع اخوته وأبويه ، ثم حلم فرعون الرمزي بالبقرات السمان والعجاف الذى تم تفسيره كإنذار مبكر لسنوات القحط والرخاء التالية ، وتم التخطيط علي أساس ذلك ، وكذلك رؤية إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل عليه السلام ، ويوضح ذلك الفرق بين الرؤيا التي تنطوي علي حكمة معينة وما يوصف بأنه أضغاث أحلام لا اهمية لها ولا علاقة لمحتواها بأى نبوءة او أحداث في المستقبل ، ومن المنظور الإسلامي لا يجب الاهتمام بمحتوى بعض الأحلام الغامضة او توقع حدوث مكروه نتيجة لها .

وفي النهاية فان المنظور القرآني لظاهرة الأحلام وما ورد في آيات القران الكريم حول تأويل الحلم ودلالته وفك رموزه ، والعلاقة بين الحلم والنبوءة هي دلائل علي الإعجاز القرآني في وصف الظواهر الإنسانية بصورة تدعو الي مزيد من الايمان واليقين بما يتضمنه كتاب الله الذي سبق العلم الحديث بمئات السنين في تناول الكثير من الظواهر الكونية والإنسانية فسبحان الله الخالق العظيم .

الصفحة الرئيسية