"يسألونك عن الخمر" البقرة 219

في الآية الكريمة إشارة الي قضية ومسألة طبية ونفسية وفقهية هامة تتعلق بالخمر أو ما يعرف "بالكحول"  ويمكن أن ينسحب على ما جاء بها على أنواع المخدرات والمسكرات التي تتشابه معه في تأثيرها على حالة الجسد والعقل وجاءت الآية الكريمة في سورة البقرة -أطول سورة في القرآن الكريم- وهي مدنيةوآياته286، وبدايتها الحروف المقطعة "ألم" التي تبدأ بها 6 من سور القرآن الكريم أما الحروف المقطعة الأخرى التي تضم 14 حرفا من حروف الهجاء فتوجد في بداية 29 سورة من سور القرآن، وأما استخدام كلمة "يسألونك" فأنه أحد أساليب البيان والبلاغة في آيات القرآن الكريم وقد ورد بصيغته المباشرة في 15 موضعا منه 7 في سورة البقرة، وذلك للسؤال عن مواضيع شتي مثل الأهلة والشهر والجبال واليتامى إلي المحيض والأنفال، أو الساعة والروح، وفى كل مرة يرد الجواب ليس لمضمون السؤال فحسب بل يمتد الي هدف وغاية أكبر فيقدم برهان أو دليل أو تنبيه أو تحذير أو رسالة إيمان ويقين.

وقد ورد تحريم الخمر بصورة متدرجة للتعامل مع مشكلة وعادة استخدام الكحول الشائعة بأسلوب ملائم لتغيير هذا السلوك حيث نزلت في المرحل الأولى دعوة لقوله تعالي:

"ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" النحل 66 ثم جاءت الآية الكريمة جواباً علي سؤال لعمر بن الخطاب وطلبه أن يبين الله أمر الخمر" التي تذهب بالعقل والمال فكانت خطوة نحو التحريم:

"يسألونك عن الخمر قل فيهما أثم كبير ومنافع  للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" البقرة 219

وبعدها جاءت خطوة أخري في قوله تعالي"

"يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" النساء 43

الي أن جاء الحكم والبيان الشافي في الخمر في قوله تعالي"

"يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان  فاجتنبوه  " المائدة 90

ومن وجه نظر الطب النفسي فأن المنظور الإسلامي للخمور وتحريمها القاطع واعتبار تعاطيها من كبائر الذنوب كان له أثرا هائلا على الصحة النفسية في المجتمعات الإسلامية وبقراءة سريعة في الإحصائيات و الأرقام نلاحظ أن نسبة الكحول هي الأكثر  انتشارا منذ القدم وحتى العصر الحالي في بعض المجتمعات مقارنة بأنواع المخدرات والمسكرات الأخرى وتشير الأرقام إلي 85%  من سكان الولايات المتحدة من تعطي الكحول (أي 172 مليون شخص) ونسبة كبيرة منهم من المدنيين للكحول ويستخدمونه بانتظام، والغريب أن هذه النسبة تتفوق على المدخنين الذين تصل نسبتهم الي 72% (أي حوالي 147 مليون) ويزيد إدمان الكحول في الرجال عن النساء بنسبة 2:1 وهي أكثر قبولا في التعاطي والإدمان من أنواع المخدرات الأخرى، وتشير إحصائيات الدوائر الأمريكية الى تكلفة مباشرة وغير مباشرة تصل الي 150 مليون دولار سنويا (بمعدل 600دولار لكل فرد) نتيجة لمشكلات الكحول وتأثيره على أداء العمل وحوادث الطرق والجرائم التي ترتكب تحت تأثيره.

ويهتم الطب النفسي بما يفعله الكحول بالجسد والعقل بعد التعاطي حيث يتم امتصاصه بعد التعاطي مباشرة في خلال 30 دقيقة ليصل الي نسبة 15-30 مج%   في ا لدم ومنه الي كل أنسجة الجسم فيتعامل الكبد مع نسبة 90% من الكحول والكلى والجهاز التنفسي مع 10% ؛ ويتأثر الجهاز العصبي بصورة تؤدي الي خلل في التفكير والسلوك ثم فقد السيطرة والتسمم الكحولي؛ أما الآثار النفسية والعصبية الأخرى مثل حالة الذهول الرعاش وفقدان الذاكرة والعته؛ مع ضعف القدرات العقلية والجنسية وزيادة نسبة التعرض للإصابات والحوادث.

ورغم أن الطب النفسي يضع الخطوات لمواجهه إدمان وعلاج الآثار النفسية والصحية والاجتماعية الناجمة عنه؛ فأن العلاج الطبي بالأدوية وجلسات العلاج النفسي والسلوكي لا تحقق نتائج جيدة، ويظل الحل متمثلا في العود الى تعاليم الإسلام الواضحة بشأن الخمر والتي ورد تحريمه والدعوة الي تجنبه كحل أمثل للوقاية وتحذير الاقتراب منه ،وجاء في آيات القرآن الكريم قبل 14 قرنا ليؤكد أن في كلام الله تعالي ما ينظم حياة الإنسان ويضمن له الوقاية والشفاء والسلامة في الدنيا والآخرة ؛ فسبحان الله العظيم.
 

الصفحة الرئيسية