" ونفس وما سواها "   الشمس 7

تشير هذه الآية في سورة الشمس وهي مكية وآياتها 15 وقد بدأت بالقسم ببعض الظواهر الكونية مثل الشمس والقمر والليل والسماء والأرض الي أن يصل القسم الي النفس الإنسانية بجوانبها السلبية والإيجابية متمثلة في حالاتها من الفجور والتقوى ، ثم يأتي جواب القسم في الآية التالية بأن الفلاح والفوز طريقه هو تزكية هذه النفس وتطهيرها والسمو بها ، والعكس في المقابل في الانسياق وراء نزعات النفس الشريرة والتردي في هاوية الانحراف عن الفطرة السليمة بما يؤدي الي أسوأ العواقب .

          ومن منظور الطب النفسي الحديث فان من الصعب أن نحدد ماذا تعني النفس و الشخصية، ولكنها بصفة عامة تعبير عن الجوانب المختلفة للصفات التي يتميز بها الشخص، وتشمل السلوكيات والأفكار والعواطف والانفعالات، وهي الخصائص التي تستمر مع الفرد علي مدى السنوات في مواجهة المواقف والظروف المختلفة، كما أن الشخصية تشمل القيم والمناهج التي يتبناها الواحد منا وتشكل ما يعرف " بطبعه " أو أسلوبه في الحياة، والذي يعرفه به الآخرون من حوله .

          وتتكون شخصية الفرد في سنوات العمر الأولي ، ويؤثر في تكوين الشخصية الظروف والعلاقات الأسرية المحيطة بالطفل في سنوات العمر الأولي ، فالحرمان العاطفي للطفل أو كثرة الخلافات بين الوالدين غالباً ما تلقي بظلالها علي تكوين الشخصية وقد تظهر آثارها لاحقاً في مرحلة المراهقة وما بعدها ، و الجينات التي تحمل الصفات الخاصة بكل فرد لها أهمية في تكوين الشخصية آلا ان الدلائل تؤكد ان التعلم في مرحلة الطفولة من المواقف التي تفرضها البيئة المحيطة قد يعدل في السمات الرئيسية للشخصية ، ومثال ذلك الطفل الذى يتميز بالطاعة والهدوء الشديد حين يتحول الي طفل عدواني شرس إذا ما وجد ان هذا هو اسلوب التعامل بين ابويه وبقية افراد اسرته .

          ومن الأمور الصعبة في ممارسة الطب النفسي الحكم علي شخصية اى فرد وتحديد سماتها لأن ذلك لا يكون ممكنا بأى حال من خلال الفحص في المقابلة النفسية ، إن ذلك يتطلب معرفة تفاصيل كثيرة عن نمط هذا الشخص وسلوكياته علي مدى سنوات حياته السابقة ، ويتطلب ذلك الحصول علي معلومات من مصادر محايدة حول ماضي هذا الشخص ، ونظراً لوجود الكثير من الفوارق الفردية بين الناس فإنه من الصعوبة ايضاً تحديد من هو الشخص " الطبيعي " او السوي الذى يتمتع بشخصية في حالة اعتدال حيث ان ذلك يخضع لأحكام تتفاوت من مجتمع الي أخر .

          وعلي وجه العموم فإن اضطراب الشخصية يكون من علاماته معاناة الشخص نفسه او الآخرين من حوله،والآثار التي تنتج عن ذلك علي الفرد والمجتمع حين يختل التوازن النفسي له وتتغير سلوكياته بما لا يتوافق مع المحيطين به،ويختلف اضطراب الشخصية عن الاضطرابات النفسية الاخرى رغم تشابه الصورة العامة لكل منهما في ان الاضطراب النفسي يمكن تحديد بداية حدوثه في شخص كان يعرف بأنه لا يعاني من اى اعراض مرضية قبل ذلك،بينما ترجع بداية المعاناة في حالة اضطراب الشخصية الي سنوات العمر الأولي وتستمر بعدها دون انقطاع،وهناك علاقة بين اضطرابات الشخصية والإصابة بالأمراض النفسية،، ومن هنا تأتي اهمية تحديد نوع الشخصية للتنبؤ باحتمالات حدوث بعض الأمراض النفسية .

          ويعتبر اضطراب الشخصية السيكوباتية او المضادة للمجتمع أحد أهم الأنواع وأكثرها شيوعاً ، حيث تقدر نسبة الأشخاص المصابين به بحوالي 3% من الرجال و 1% من النساء في الولايات المتحدة ، ويشكل هؤلاء الأشخاص الغالبية العظمي من المجرمين والمدمنين والخارجين علي القانون ويشترك هؤلاء الأشخاص في ميلهم للعنف والعدوان علي الآخرين دون ادني شعور بالمسؤولية او تأنيب الضمير ، ويتجهون الي تكرار ذلك من غير ان يتعلموا من تجاربهم السابقة ، وعندما نتتبع تاريخهم السابق نجد سلسلة من الانحرافات وانتهاك القواعد والأعراف منذ الصغر ، بدءاً من التمر في مرحلة الطفولة ، والغياب عن المدرسة ، والشغب في المنزل والشارع ، ثم السلوك الجانح الذى يتخذ أشكالا متعددة مثل الانحرافات الجنسية ، والسرقة ، والكذب ، والعنف ضد الآخرين ، وإدمان المخدرات .

          وترجع أسباب اضطراب الشخصية السيكوباتية المضادة للمجتمع الي عوامل وراثية حيث يلاحظ وجود اكثر من حالة في الأسرة الواحدة ، وترتبط بمستويات اجتماعية متدنية ، وتربية غير سليمة في الطفولة .

          وهناك عدة أنواع من الشخصية السيكوباتية تختلف فيما بينها ، فمنها العدواني الذى يتجه الي العنف ، ويقوم بإيذاء نفسه والآخرين ، ومنها السلبي الذى يكون تابعاً في الغالب لأشخاص آخرين يقودونه الي الانحراف ، اما النوع الثالث فيوجه طاقاته الي أنشطة تبدو مفيدة يحقق بها لنفسه الكثير من الإنجاز .

          ويبدى الكثير من الأطباء النفسيين شكهم في إمكانية علاج مثل هذه الحالات ، فالشخصية يصعب ان تتغير سماتها مهما كانت الوسائل ومن المؤكد ان دور الادوية في هذا المجال محدود للغاية ، غير ان انضمام هذه الحالات الي مجموعات علاجية يفيد في تعليمهم بعض الاتجاهات المرغوبة وتخلي بعضهم عن الصفات المرضية غير المرغوبة . .

          ويرى علماء النفس أهمية الوازع الديني والتنشئة الأخلاقية السليمة في السيطرة علي النزعات المرضية للنفس الإنسانية ، فقد ثبت أن الالتزام بروح الدين ، والإيمان القوي الثابت بالله تعالي حين يتم غرسها في النفس منذ الصغر تكون وقاية من الانحراف والاضطراب ، وصمام أمن للسلوك المعتدل السوي

وفي الختام فان المنظور الإسلامي للنفس الإنسانية في حالاتها المختلفة سواء الاعتدال والسواء والإيجابية من ناحية أو الحالات الأخرى المقابلة من التردي في السوء والانحراف والابتعاد عن الطريق السوي ، والنموذج الذي ورد في إشارات القرآن الكريم لطبيعة النفس الإنسانية في تقلبها بين الاعتدال والاضطراب ، أو بين االتقوى والفجور ، وبذلك يكون القران قد سبق علم النفس والطب النفسي الحديث في عرض هذه الحقائق التي تتعلق بالنفس الإنسانية والتي لا يزال علماء النفس والأطباء في سعي لكشف بعض من أسرارها ، فسبحان الله الخالق الذي أحاط بكل شئ علما .

الصفحة الرئيسية