"ان الإنسان خلق هلوعا " المعا رج 19

وردت هذه الآية في سورة المعا رج وترتيبها رقم 70 في سور القران الكريم ، وهي مكية وآياتها 44 ، وتدور آياتها حول تحذير الكافرين من يوم القيامة والحساب ، ثم تتطرق الي موضوع هام من وجهة النظر النفسية حول سمات الإنسان وخصائصه وحالته النفسية حيث ينتابه الهلع في مواقف متكررة ، وكما ورد في التعبير القرآني فانه " خلق هلوعا " ، وفي ذلك صيغة مبالغة من صفة الهلع ، وتضيف الآيات التالية سمات أخري للإنسان في حالات الشدة واليسر حين  يمسه الشر أو الخير ، وبعد ذلك نقرأ في آيات السورة الكريمة استثناء من هذه القاعدة يتضمن أيضا إشارة الي الوقاية والعلاج لهذه الحالة.

     ومن خلال مراجعة ما يتعلق بنوبات الهلع في مراجع الطب النفسي الحديث فقد لاحظ الأطباء مؤخراً زيادة كبيرة في المرضى الذين يعانون من حالات غامضة تتمثل في نوبات من القلق والرعب الهائل مدتها قصيرة نسبياً لكنها مصحوبة بأعراض مرضية مزعجة تدفع المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات وأقسام الطوارئ وعيادات الأطباء من مختلف التخصصات وأحياناً في غرف الرعاية المركزة.

وظهر مصطلح اضطراب الهلع Panic disorder، ونوبات الهلع Panic Attacks في مراجع الطب النفسي الحديث مؤخراً لوصف حاله مرضية غامضة تصيب نسبة كبيرة من الناس من مختلف الأعمار، وتقدر نسبة الإصابة بنوبات الهلع بعد أن تزايد انتشارها مؤخراً بحوالي 12% من الناس من مختلف الأعمار، ويعني ذلك وجود ملايين المرضى الذين يعاني معظمهم في صمت ولا يدركون أن المشكلة تتمثل في الإصابة باضطراب نفسي قابل للعلاج، وتحدث الحالة في النساء بنسبة تصل إلى ضعف نسبة الإصابة في الرجال، ورغم أن الحالة قد تصيب صغار السن من الأطفال والمراهقين والشباب، وكذلك كبار السن، إلا أن أعلى معدلات حدوثها في سن 25 عاما، ويتفاوت تكرار هذه النوبات من شخص إلى آخر .. فبينما تحدث في بعض الناس عدة مرات في اليوم الواحد فإن نسبه أخرى قد تحدث لديهم للنوبات عدد قليل من المرات كل عام، وتسبب هذه الحالات آثار متفاوتة قد تصل إلى حد الإعاقة الكاملة لبعض الناس فلا يمكنهم القيام بأعمالهم أو واجباتهم الأسرية والاجتماعية، وقد تمنع الإصابة الشخص من الخروج من بيته.

          وشغل الأطباء النفسيون التوصل إلى الأسباب المحتملة لحالات الهلع، والكيفية التي تحدث بها النوبات، وقد سارت الأبحاث في اتجاهين أولهما البحث عن عوامل نفسية مثل الضغوط والصدمات ومواقف الحياة الأليمة التي يؤدي التعرض لها إلى حدوث نوبات الهلع، ويتمثل الاتجاه الثاني في البحث عن عوامل بيولوجية تؤثر على وظائف الجهاز العصبي وكيمياء المخ بما يؤدي في النهاية إلى حدوث هذه النوبات، وبالنسبة للعوامل النفسية فقد ثبت أن نسبه كبيرة من المرضى الذين يعانون من نوبات الهلع لديهم تاريخ مرضي سابق لبعض الصعوبات النفسية التي تتمثل في صدمات أو مواقف خوف ورعب تعرضوا لها في مراحل العمر السابقة خصوصاً في فترة الطفولة.

          ويصف المرضى نوبات الهلع بصورة تثير التعاطف معهم رغم أن المحيطين بهم لا يشعرون بمشكلتهم ومعاناتهم مع هذه الحالة حيث يبدو المريض طبيعياً إلى حد كبير فيم بين النوبات، وتحدث النوبة فجأة وبصورة تلقائية في أي مكان، وتتصاعد حدة الأعراض لتصل إلى ذروتها خلال 10 دقائق، ورغم أن النوبة لا تستمر سوى 20 – 30 دقيقة في المتوسط ولا تزيد مدتها عن ساعة فإن هذه الدقائق تمر على المريض كأنها الدهر، وتتمثل الأعراض الرئيسية للنوبة فيما يلي:

- شعور هائل بالخوف والرعب دون أن يعرف المريض مصدراً لهذا الخوف.

- يصاحب ذلك خفقان وسرعة وعنف في ضربات القلب لدرجة تجعل الشخص يعتقد أنه أصيب بنوبة قلبية حادة.

- يتصبب العرق وتحدث رعدة في كل الجسم.

- يصاب المريض بالغثيان والدوخة وآلام في الصدر وتثمل في الجسم والأطراف ويصاب ذلك شعور بعدم الاتزان.

- ينتاب المريض إحساس بالاختناق وسحب الروح وشعور هائل بالخوف من احتمال الموت.

- صعوبة بالغة في الكلام واضطراب في الذاكرة، ويتحرك الشخص من مكانه بحثاً عن مخرج من حالة الهلع، وقد يقع مغشياً عليه أثناء النوبة في نسبه 20% من الحالات.

ويسير علاج حالات الهلع في عدة اتجاهات أهمها العلاج بالأدوية النفسية مثل المهدئات والعقاقير المضادة للاكتئاب، ومن أساليب العلاج الأخرى استخدام الوسائل النفسية عن طريق جلسات العلاج النفسي الفردية والجماعية للمريض وأسرته، واستخدام وسائل التدريب على الاسترخاء والتعرض لبعض المواقف للتغلب على الأعراض وما تسببه من صعوبات أسرية واجتماعية، وقد يتم استخدام كل الأساليب العلاجية الدوائية والنفسي في نفس الوقت لتحقيق تحسن سريع ومنع كل المضاعفات المحتملة ونجد في آيات سورة المعرج أيضا الوقاية والعلاج لهذه الحالات بخطوات محددة مثل ذكر الله وانتظار الصلاة بعد الصلاة والاعتدال في السلوكيات ، والرجوع الي الله تعالي ومراقبته في كل الأحوال.

وفي النهاية فان المنظور الإسلامي لهذه المسألة والوصف الذي ورد في آيات القران الكريم لحالة الهلع إنما هو سبق لمنظور الطب النفسي الحديث الذي جاءت دراساته لتكشف نفس الحقائق التي وردت في آيات كتاب الله التي نزلت علي رسوله النبي الخاتم قبل قرون طويلة من الزمان ، وفي هذا تأكيد علي أهمية فهم هذه الإشارات النفسية في آيات القران الكريم التي لا يزال علم النفس الحديث يتوصل الي بعض من معانيها وأسرارها ، فسبحان الله الخالق العظيم .

الصفحة الرئيسية