·    دوافع ارتكاب جرائم العنف .. وجذور سلوك العدوان                          

    ·    التحليل النفسي لمرتكبي  الجرائم والخارجين على القانون

    ·    أصحاب الشخصية المضادة للمجتمع .. 75% من نزلاء السجون

    ·    ماذا يقول الطب النفسي والمنظور الاسلامي عن كيفية الوقاية والعلاج ؟

                                                                                   الدكتور/لطفى الشربينى

                                                                                  استشارى الطب النفسى

          لعل من مهام الطب النفسي بالاضافة الي علاج الحالات النفسية دراسة ومتابعة ومواجهة الظواهر العامة التي تهم الناس ولعل من الملحوظ في الآونة الاخيرة لكل من يتابع الاخبار ويقرأ صفحات الحوادث في الصحف اليومية الزيادة الهائلة في الجرائم وحوادث  العنف بشكل غير مسبوق  حتي تحولت الي ظاهرة يعاني منها المجتمع في كثير من بلاد العالم ، وقفزت مسألة حوادث العنف والجرائم التي ترتكب في الشارع  كل يوم علي نطاق واسع والتي يطلق عليها احيانا وصف "البلطجة " لتحتل مقدمة الاولويات في وسائل الاعلام ، ونتيجة لذلك فقد تزايد الاهتمام بجوانب هذا الموضوع علي نطاق واسع خصوصاً ما يتعلق بالناحية الأمنية لمواجهة هذه الظاهرة التي اصبحت تمثل تهديداً خطيراً لشعور الأمن الذى يعتبر في مقدمة الاحتياجات الاساسية للأفراد والمجتمع عموماً حتي تستمر حياة الناس في مسيرتها المعتادة ، غير ان المواجهة لا يمكن ان تكون مكتملة او فعالة إذا لم تتضمن الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والنفسية للموضوع بجانب الناحية الامنية .. وهنا اقدم لك عزيزى القارئ رؤية نفسية لظاهرة انتشار حوادث وجرائم العنف وتحليلاً لدوافعها وشخصية الذين يقدمون علي القيام بها .. ولنقرأ معاً سطور هذا الموضوع ..

سلوك العنف والعدوان :

          من وجهة النظر النفسية فإن هذه الظاهرة التي يعرفها الجميع بالعنف أو " الاجرام " او البلطجة وهي الخروج علي القواعد والقوانين والميل الي العدوان علي الانفس والممتلكات بما في ذلك من تعد سافر علي حقوق الاخرين ليست جديدة بل لها جذور اجتماعية ونفسية ، وتحدث بنسب متفاوتة في مختلف مجتمعات العالم ، وهي بالنسبة للطب النفسي احد انواع الانحرافات السلوكية نتيجة للإضطراب في تكوين الشخصية ، وبدلاً من التكوين السوى للصفات الانفعالية والسلوكية التي تشكل الشخصية التي يتعامل بها الفرد مع الأخرين والتي تتكون مبكراً وتتصف بالثبات والاستقرار ولا تتغير فإن الاضطراب يصيب الشخصية فيحدث انحراف وخروج علي الأسلوب الذى يتعامل به الناس في المجتمع مما يتسبب في الاصطدام بين اولئك الذين يعانون من اضطراب الشخصية الذى يطلق عليه الأطباء النفسيون الشخصيـة " المضادة للمجتمع " Antisocial personality .. ولعل في هذا المصطلح وصفاً لما يحدث من خروج علي قوانين المجتمع وسوء التوافق مع الآخرين والاصطدام بالقوانين  وهو ما يوصف ايضاً بالسيكوباتية Psychopathy  والتي تعرف لدى العامة " بالبلطجة " او الاجرام الذى يتصف به الاشخاص الذين يعرف عنهم الميل الي ارتكاب هذه الحوادث وتكرار ذلك دون رادع من ضميرهم او خوف من العقاب الذى ينتظرهم .

جذور ودوافع العنف والاجرام :

          تحدث الانحرافات السلوكية الناجمة عن حالات اضطراب الشخصية -وهي حالات تختلف عن الأمراض النفسية التقليدية مثل القلق والاكتئاب والفصام والوساوس - في نسبة تصل الي  3% من الذكور ،1% من الاناث حسب الإحصائيات  العالمية في بعض المجتمعات ، وتبدأ  بوادر الانحراف السلوكي في مرحلة المراهقة عادة او قبل سن الخامسة عشرة ، وتحدث بصفة رئيسية في المناطق المزدحمة والعشوائية ،وتزيد احتمالاتها في الاسرة كبيرة العدد ،وفي المستويات الاجتماعية والتعليمية المنخفضة ، وفي دراسات علي اقارب المنحرفين من معتادى الاجرام والذين يتورطون في جرائم العنف ( او البلطجية ) ثبت ان نفس الاضطراب السلوكي يوجد في اقاربهم بنسبة 5 اضعاف المعدل المعتاد ، كما ان الفحص النفس لنزلاء السجون اثبت 75% ممن يرتكبون الجرائم المتكررة هم من حالات اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع او ما يطلق عليه الشخصية "السيكوباتية" .. ويستدل من ذلك علي ان جذور ودوافع العنف تبدأ مبكراً مع تزايد هذه الممارسات والسلوكيات في بيئات معينة     يتواجد فيها الشخص في فترات حياته المبكرة حيث يجد فيها النماذج السلبية التى يقلدها ويضاف الى ذلك الأستعداد الفطرى للانحراف لدى بعض الاشخاص الذين يتحولون مع الوقت الي الاجرام والجنوح لتكون سمة دائمة واختيار متكرر في حياتهم .

التحليل النفسي للجريمة والمجرمين  :

          في الدراسات النفسية التي تقوم علي الفحص لشخصية هؤلاء المنحرفين الذين يتكرر ارتكابهم لحوادث العنف فإن المظهر العام قد يبدو هادئاً مع تحكم ظاهرى في الانفعال غير ان الفحص النفسي الدقيق  يظهر وجود التوتر والقلق والكراهية وسرعة الغضب والاستثارة لدى هؤلاء الافراد ، وهم لا يعتبرون  من المرضي النفسيين التقليديين ، ولا يعتبرون مثل الاسوياء ايضاً، بل هي حالات بيئية يمكن ان يؤكد تاريخها المرضي الميل الي الانحراف ، والكذب ، وارتكاب المخالفات والجرائم كالسرقة ، والمشاجرات ، والادمان ،والاعمال المنافية للعرف والقانون ، وتكون الجذور والبداية عادة منذ الطفولة ، وهؤلاء لا يبدون اى نوع من الندم أو تأنيب الضمير ، ولا ينزعجون لما يقومون به بل يظهرون دائماً وكأن لديهم تبرير لما يفعلونه من سلوكيات غير اخلاقية في نظر الاخرين ،وليس المنحرفون نوعاً واحداً ، فمنهم من يستغل صفاته الشخصية في تحقيق  بعض الانجازات دون اعتبار للوسائل ، ومنهم من يتجه الي ايذاء الآخرين او تدمير نفسه ايضاً ، ومنهم من يتزعم مجموعة من المنحرفين او من يفضل ان يظل تابعاً ينفذ ما يخطط له الآخرون .. ولاشك ان جرائم العنف كالقتل والمشاجرات والاغتصاب ترتبط بالانحرافات السلوكية الاخرى مثل الإدمان والسرقة والاعمال المنافية للآداب العامة ، وتزيد أحتمالات الأصابة بالأضطرابات النفسية فىالأشخاص الذين  يرتكبون هذه السلوكيات نتيجة لأضراب الشخصية.

المنظور الاسلامي

   ]إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا...ً[المائدة 33..هذه الآية الكريمة من سورة المائدة إشارة إلي ما يقوم به البعض من سلوكيات تندرج  تحت ما يعتبر فساداً في الأرض وما يوصف بسلوك العنف والبلطجة الذي يشمل ارتكاب الكثير من المخالفات والجرائم ضد الأبرياء، و إشارة الآية الكريمة إلي هذا السلوك الإنساني السلبي الذي تعاني منه المجتمعات الإنسانية منذ بدء الخليقة بصور متفاوتة, وتحديد الجزاء الرادع يتمشى مع حقيقة ان  توقع العقاب  يحد كثيرا من الاقدام على ارتكاب المخالفات إنما هو دليل على أن كتاب الله يتضمن تنظيما لشأن الإنسان ووضع الحلول للمشكلات التي تصادفه في حياته من خلال الإشارة إلي هذا السلوك وكيفية عقاب من يقدم عليه.

أخيرا نقول أن الإسلام قد وضع الحل لمشكلات الإنسان في الدين والدنيا من خلال كتاب الله وما جاء به من تعاليم وسنه رسول الله r النبي الخاتم وفي هذه الإشارات الخاصة بالقضية التي تطرقنا إليها هنا دليل على ذلك فسبحان الله الذي خلق إنسان وهو أعلم بما يتصف به ويفوقه وشرع له ما يكفل أمنه وحمايته من الشر والفساد في كل زمان ومكان فسبحان الخالق العظيم.

 

الحل من منظور الطب النفسي :

          ليس الحل لهذه الظاهرة الخطيرة أمراً ميسوراً من وجهة النظر النفسية بل  يتطلب المشاركة بين جهات متعددة لأن الظاهرة معقدة ولها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأمنية والنفسية .. وهنا نضع بعض النقاط لتكون دليلاً للتفكير في كيفية التعامل مع المسألة دون اهمال للجوانب النفسية الهامة لها، نوجزها فيما يلي:

 

    ?    المنحرفون الذين يعرفون بالبلطجية يختلفون تماماً عن المرضي النفسيين رغم انهم حالات من اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع ، كما انهم يختلفون عن مرتكبي الجرائم بدافع  محدد   في ظروف معينة ، ولا يعتبرون من المتخلفين عقلياً ، بل هم حالات غير سوية تتطلب اسلوباً آخر للمواجهة .

    ?    للظاهرة جوانب أخرى حيث يشجع علي تفاقمها عدم توقع العقاب الرادع ، والعدالة البطيئة ، وعدم وجود ارتباط مباشر بين ارتكاب المخالفة القانونية وتطبيق العقاب المناسب ، والتأخر في مواجهة الحوادث  الفردية حتي تتزايد لتصبح ظاهرة .

    ?    الوقاية هنا اهم من العلاج وتبدأ بالاهتمام بالتنشئة ، لأن الانحراف الذى يصيب الشخصية يبدأ مبكراً ، واذا حدث فإن علاجه لا يكون ممكناً.

    ?    في بعض البلدان يتم وضع هؤلاء المنحرفين بعد تشخيص حالتهم - وقبل ان تتعدد الجرائم التي يقومون بارتكابها - في اماكن تشبه المعتقلات من حيث النظام الصارم، وبها علاج مثل المستشفيات ويتم تأهيلهم عن طريق تكليفهم ببعض الأعمال الجماعية والانشطة التي تفرغ طاقة العنف لديهم.

 

          وبعد -عزيزى القارئ- فقد كانت  هذه رؤية نفسية لجرائم وحوادث العنف الي اصبحت من الظواهر المنتشرة في مجتمعات العالم حالياً.. والتي تزدحم بأخبارها صفحات الحوادث في الصحف.. وقد كان الدافع الي محاولة تحليل اسبابها ودوافع ارتكابها وشخصية مرتكبيها هو البحث عن حل يعيد شعور الأمن ليحل محل القلق والخوف من هذه الظاهرة .. والكلمة الاخيرة هي ان كل الجهات التربوية والامنية والدينية  ومؤسسات الرعاية النفسية والاجتماعية والجهات الامنية يجب ان تنسق جهودها وتتعاون معاً لمواجهة مثل هذه الظواهر التي تهم كل قطاعات المجتمع وترتبط  بالحياة النفسية والاجتماعية للناس في كل موقع..

الصفحة الرئيسية