مع قدوم شهر ابريل من كل عام وفي اليوم الأول لهذا الشهر يتذكر الجميع ما يعرف ب "كذبة ابريل " ، حيث يقوم البعض في هذا اليوم باختلاق بعض الأخبار والأحداث الخيالية او الطريفة ومحاولة نشرها وتداولها كنوع من المزاح الثقيل بين المعارف والأصدقاء .. ورغم ان كذبة ابريل صناعة غربية فاننا نجد من يقلدها في مجتمعاتنا بنفس الأسلوب الذي نستورد به كل شيء من دول العالم المتقدم دون تمييز بين ما ينفعنا وما يضرنا ،ومن وجهة النظر النفسية فاننا نتناول كذبة ابريل لإهتمامنا بسلوك الكذب الذي اصبح ظاهرة سلبية يمارسها الصغار والكبار ليس في ابريل فقط ولكن في كل ايام السنة.

          والكذب قضية مهمة ومشكلة جادة لها جوانبها التربوية والأخلاقية والاجتماعية .. والنفسية أيضا .. والمقصود بالكذب الأخبار عن شئ ما بخلاف الواقع .. أو حتى مجرد إخفاء الحقيقة .. وليس الكذب نوعاً واحداً بل أنواع وألوان .. وهناك دائما أسباب ودوافع للكذب .. غير أن البعض أحيانا يكذب بلا هدف .. وتعود جذور المشكلة غالباً إلى مراحل الطفولة المبكرة، لكن ذلك لا يمنع حدوث الكذب في مراحل العمر .. وفي الرجل والمرأة علي حد سواء .

والإشارة إلي الكذب كظاهرة سلبية لها عواقب وخيمة كما وردت في آيات القرآن الكريم هي مثال لما يتضمنه كتاب الله من حث على الالتزام بالخلق السوي القويم والابتعاد عن كل سلوك سلبي غير سوى

 وفي هذه السطور مناقشة لهذا الموضوع في سياق اكثر شمولا من وجهة النظر النفسية .. ومحاولة لفهم الأسباب .. وجوانب المشكلة وأسلوب الحل والعلاج ..

الكلام والمواقف.. وألوان  الكذب :

          إن الكذب يجد في كثير من الأحيان من يدافع عنه ويصفه بأوصاف مقبولة اجتماعياً،  علي الرغم من وضوح الحقائق، والاتفاق علي أن الذي يحدث أشياء غير واقعية أو يقوم بتزييف الأمور والأخبار عنها خلافاً للحقيقة شخص كاذب (أو كداب كما يصفه العامة من الناس) .. فالمظاهر غير الواقعية والأقنعة التي يبديها كثير من الناس لإخفاء حقائق مغايرة حتى تظل صورتهم مقبولة من الآخرين هي نوع من الكذب، والمجاملات التي تندرج تحت مسمي النفاق الاجتماعي والتي تتضمن الابتعاد عن المواجهة والمصارحة ليست سوى نوع آخر من الكذب الذي ينتشر بصورة هائلة لدرجة أن الذي لا يجيد هذا السلوك يعتبر شخصاً غير طبيعي يعاني الكثيرون من حوله في التعامل معه.

          ومع هذه الأنواع من التزييف التي تدخل تحت بند الكذب يحلو للبعض أن يضفي علي مواقف الكذب بعض الألوان حتى تبدو مشروعة بل ومقبولة، فالكذب الأبيض كما يصفه الناس هو استخدام التزييف وإخفاء الحقائق لتحقيق غايات وأهداف تبدو طيبة، ولكن ذلك قد يتضمن بعض التجاوز حين يكون الكذب مبرراً كوسيلة لحل المشكلات وتجنب المضاعفات والأضرار .. لكن تظل المشكلة هنا هي تحديد الخط الفاصل بين الكذب الأبيض وبين الألوان الأخرى من الكذب وكلها قاتمة اللون .

كذب الصغار.. والكبار :

            الكذب ظاهرة تحدث في كل الأعمار فالأطفال الصغار جداً قد يكذبون كما قد يكذب المسنون أيضا، وكذلك المراهقون والشباب والبالغون من الرجال والنساء، غير أن الكذب خصائصه ومبرراته ودوافعه وتفسيره النفسي في كل من هذه الفئات، فالأطفال الصغار يكون كذبهم في الواقع غير مقصود لأن براءة الطفولة تتعارض مع أي انحراف أو سلوك غير سوى ومركب فيه سوء قصد مثل الكذب، وما يحدث بالنسبة للأطفال هو مجرد خيال نشيط يستخدمه الطفل في تأليف حكايات وقصص خيالية، وفي المراهقين يكون الكذب هادفاً لتحقيق مكسب أو الإفلات من العقاب حين يتخذ صورة نقل الحقائق بعد تشويه محتواها أو المبالغة في تصويرها.

          أما كذب الكبار فإنه يكون نتيجة لعادة بدأ نموها منذ الصغر نتيجة لأسلوب التربية ثم يتحول الكذب إلي أسلوب لمواجهة المشكلات أو إحدى صفات الشخصية التي يصعب الإقلاع عنها، وفي كبار السن فإن الشيخوخة تتسبب في تغييرات عضوية ونفسية تؤثر علي الذاكرة فيحدث النسيان لكثير من المواقف والأحداث، ويدفع ذلك المسنين إلى ملء الفراغ الناجم عن النسيان بأحداث " مفبركة " أو مصطنعة لا أساس لها ودون قصد حتى يمكن إتمام الحديث أو الرواية التي يتكلمون عنها !

عوامل نفسية..وراء الكذب:

            الكذب مشكلة سلوكية لها جوانبها النفسية والأخلاقية والاجتماعية والتربوية وإذا تتبعنا جذور مشكلة الكذب نجدها تعود في الغالب إلى أسلوب التربية في الطفولة المبكرة .. فالطفل نقول له لا تكذب ثم نشجعه علي الكذب في بعض المناسبات وقد نمنحه مكافأة حين يفهم إشارة له بأن يكذب ويقول للمتحدث في التلفون أن والده غير موجود في البيت الآن وهو جالس أمامه .. إننا في هذه الحالة نعطي لهذا الطفل الصغير أوامر متناقضة لا يستطيع في هذه السن التمييز بينها فيحدث له نوع من التشويش النفسي مثل الكمبيوتر الذي نخطئ في برمجته وقد يتحول إلى شخص غير سوى في المستقبل، كما أن غياب القدرة أو النموذج الذي يلتزم بالصدق يدفع الأجيال الجديدة إلى الكذب دون حرج تقليداً للكبار ، ولا يستطيع أحد أن يلوم الأطفال والمراهقين والشباب إذا كانوا يفعلون ما يفعله الآباء والمعلمون والشخصيات العامة وأجهزة الإعلام !!

          وقد يكون الكذب نتيجة لشعور بالنقص لا يجد صاحبه وسيلة سوى التلفيق والتحدث عن مغامرات وقدرات وهمية لإظهار القوة والشجاعة .. والغريب أن الكذب قد ينتقل بما يشبه العدوى في بعض البيئات التي تتسامح مع مثل هذه الانحرافات مما يشجع علي تزايده .

 

          ويتساءل البعض :

 هل الكذب مرض نفسي ؟!..

                     للإجابة علي هذا التساؤل فإننا نؤكد أن غالبية الأشخاص الذين يتصفون بالكذب يعرفون الصدق لكنهم يفضلون إخفاء الحقائق أو الأخبار عن أحداث غير واقعية دون حذف في كثير من الأحيان حتى لو تسبب ذلك في عواقب وخيمة، وكثير منهم يشكو من ذلك ولا يمكنه التوقف عن الكذب .

          وفي العيادة النفسية توجد نماذج مرضية للكذب منها علي سبيل المثال مرض الاختلاق أو الادعاء وهو حالة مرضية نادرة يبدى فيها المريض أعراضا لمرض عضوي أو نفسي، ويمثل ببراعة دور المصاب بهذا المرض حتى يحظى باهتمام الأطباء!!.. وهناك الكذب الذي يتصف به مرضي الإدمان بصفة عامة خصوصاً عند سؤالهم عن تعاطي المخدرات..وأيضا ما ذكرناه من حالات الشيخوخة حين يكذب المسنون نتيجة للخلل الذي يصيب الذاكرة ورغبتهم في ملء فجوات الكلام باختلاق أحداث خيالية..وكذلك الكذب المرضي في الشخصية المضطربة غير السوية أو المضادة للمجتمع والتي تتصف أيضا بالسلوك غير السوي.

مشكلة الكذب..والحل من المنظور الاسلامي:

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) غــــــافـر

(وان يك كاذبا فعليه كذبه[.. وردت هذه الآية الكريمة من سورة غافر في سياق القصص القرآني لما كان بين موسى عليه السلام وفرعون والذي ورد في آيات وسور القرآن الكريم بصورة متكررة يتم في كل منها إلقاء الضوء على بعض من جوانب من هذه القصة، وهنا في سورة غافر آيات متتالية عن رجل مؤمن من آل فرعون يخفي إيمانه لكنه يدلي بنصائح إلي قومه تقوم على الإقناع ..وفى الآية الكريمة إشارة إلي أن من يكذب يكون هو الخاسر الأول الذي يتحمل نتيجة كذبه

          ونشير هنا الى اهمية  تقوية الوازع الديني الذي يتضمن إعلاء قيمة الصدق والمنظور القرآني لتكريم الصادقين، والذي يكفل الوقاية من الانحرافات المختلفة. وقد كانت تعاليم الإسلام واضحة في هذا الشأن.. وتبدو من الحديث الشريف حين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلوك المؤمن وهل يمكن ان يكون جبانا او بخيلا او كذابا فاعترض بشدة على صفة الكذب مقارنة باى سلوك اخر.

         

والحل-من وجهة النظر النفسية ومن المنظور الاسلامي ايضا-لمواجهة ظاهرة الكذب يتمثل في ضرورة إعلاء قيمة الصدق .. و تنشئة الأجيال الجديدة علي أسلوب التربية حتى يزيل عقدة الخوف من النفوس ويدعم الثقة بما يسمح بالمصارحة وحرية إبداء الرأي .. وعلاج حالات الكذب المرضي في جو من الصبر والتفاهم حتى يتم تعديل هذا السلوك .

الصفحة الرئيسية