لعل الأمراض النفسية بصفة عامة هى أكثر الموضوعات التى تدور حولها الخرافات والأساطير ، فيردد الناس حولها الروايات والقصص الخيالية ، حتى إن الحالات النفسية قد إرتبطت لردح طويل من الزمان في الأذهان بمعتقدات وأوهام منها تأثير الحسد والسحر ومس الجن والأرواح الشريرة وغيرها من القوى الخفية، وهنا نلقى الضوء على بعض هذه الأمور من منظور الطب النفسى .

            ربما كان السبب في هذا الأرتباط بين الأمراض النفسية وهذه الأوهام والمعتقدات هو محاولة الناس البحث عن سبب أو تفسير التغييرات التى تصيب بعض الناس وتسبب لهم الأضطراب ، ومن هذا نسمع عن أشياء غريبة يرددها المرضى وذووهم ، فعلى سبيل المثال يذكر المريض أنه رأى في منامه حلماً مزعجاً وأصابه المرض في اليوم التالى ، وتردد بعض الأمهات إن إبنتها المصابة باضطراب نفسى قد تعرضت للرعب حين انقطع التيار الكهربائى فجأة وكانت تجلس بمفردها في غرفة مظلمة وأعقب ذلك اصابتها بالحالة النفسية !

 

أسرار القوى الخفية .. وراء الأمراض النفسية:

            ومن ما يردد الناس أيضاً في تفسير إصابة بعضهم بالأضطراب النفسى التعرض لتأثير قوى خفية ، فمن المرضى النفسيين من يؤكد أنه شاهد أشباحاً مخيفة ، أو هالات ضوء أو ومضات كالبرق ويفسرها بأنها تحمل رسالة موجهه اليه، ومنهم من يتصور ويتصور البعض حين يستمع الى ذلك أن هناك قوى خفية وراء المرض النفسى.

 


 

            لكن التفسير العلمى لذلك لا يعدو أن ما يحدث في هذه الحالات ليس سوى استقبال المريض لبعض المؤثرات الصوتية والضوئية غير واقعية نتيجة لخلل أصاب مراكز الجهاز العصبى وهو ما نطلق عليه في الطب النفسى " الهلاوس " السمعية والبصرية ، وهذه من أعراض المرض العقلى وليس سبباً فيه ، كما أنه لا علاقة بين ذلك وبين الأشباح والأرواح الشريرة أو القوى الخفية .

 

عمل عفاريت الجن.. هو السبب!!

            لعل الأرتباط بين المرض النفسى وتأثير السحر ومس الجن هو أحد أمور التى تثير الأهتمام ، ذلك أنه في كثير من الأماكن التى أتيح لى العمل بها في مجال الطب النفسى كانت الخلفية الثقافية والعقائدية للناس تدفعهم الى الأعتقاد بأن الأمراض النفسية كالفصام والأكتئاب ، والقلق ، كذلك نوبات الصرع، والعجز الجنسى إنما هى نتيجة تأثير السحر ومس الجن ،  وكان ذلك يدفعهم الى طلب العلاج لدى المشعوذين الذين يدعون القدرة على التعامل مع السحر والجن قبل التفكير في استشارة الأطباء النفسيين .

 

علقة ساخنة للعفريت العنيد:

            وأذكر أننى قد استدعيت لمناظر إحدى الحالات وكانت فتاة في العشرين وجدتها فاقدة الوعى وعلى جسدها أثار كدمات نتيجة لضرب مبرح ، ولما سألت أقاربها عن سبب ذلك قالوا أنها ظلت تعانى من التشنجات لعدة أيام فذهبوا بها الى أحد المعالجين المشعوذين فأكد لهم أن السبب هو مس الجن وأن الشيطان موجود حالياً داخل جسدها وقال لهم أنه سيتولى أمر هذا العفريت وأخذ ينهال عليها ضرباً بعصصا غليظة ليتعقب الجان في كل مكان من جسمها حتى يخرج ، وفى النهاية بعد أن فقدت الوعى أخبرهم بأن العفريت يصعب خروجه وعليهم الذهاب الى الطبيب ليجد لهم حلاً !

 

            غير ذلك الكثير من المرضى الذين يؤكدون أنهم تحت تأثير السحر ولن تشفى حالاتهم إلا إذا فك " العمل" او استخدام تعويذة لابطال مفعوله ، ويستغل الدجالون والمشعوذون ذلك فيتقاضون مبالغ مالية ويطلبون منهم القيام بأعمال غريبة حتي ترضي عنهم عفاريت الجن أو " الاسياد " ولا تسبب لهم الاذى !


 

عين الحسود .. مفعولها اكيد :

            هناك نسبة كبيرة من مرضي العيادة النفسية يرجعون ما أصابهم من مرض إلي الحسد وتأثير العين ، بل إن منهم من يحدد مصدر العين واليوم والساعة التي تعرض فيها لتأثيرها ، وهناك من يؤمن بتأثير العين ويسلم بذلك بصورة مطلقة ، ولا يحاول البحث عن سبب آخر لمرضه ، كما أن هناك من يعزو إلي الحسد فقد الممتلكات وتحطيم الأشياء ، وحوادث السيارات ، وكل ما يصيب الصحة الجسدية والنفسية ، ويؤكدون ان عين الحسود من الممكن أن تهدم الجبال ولا مجال لدفع خطرها او الهروب منها .

 

            ومن خلال ملاحظاتي علي المرضي الذين يرجعون كل متاعبهم الي الحسد نجد أنهم من اولئك الذين يتميزون بقابليتهم للايحاء بسهولة حيث تسيطر عليهم فكرة اصابتهم بالعين ، وهناك أشخاص يقال أنهم اكثر عرضة للحسد مثل الأثرياء ، والأطفال ، والذين يتمتعون بقدر من الوسامة والجمال ، والسيدات خصوصا اثناء الحمل ، كما أن هناك من يحوم حولهم الشك في أنهم مصدر للحسد مثل ذوى العاهات البدنية ، والجيران والأقارب ، والفقير أو الجائع ، وتعساء الحظ في الحياة ، والأهم من ذلك شخص معين ذكر تعليقا او تمتم بكلمة اعجاب او شئ من ذلك !

 

الوهم والحقيقة .. من نصدق ؟

            إنا نؤمن تماما بكل ما ورد في القرآن الكريم حول السحر ، والجن ، والحسد ، لكن الالتزام بالكتاب والسنة لا يجب أن يقودنا إلي التصديق بأمور تفتح الطريق إلي كثير من البدع والخرافات التي يروج لها المشعوذون ، وهناك أمور لا يملك أحد أن يؤكدها أو ينفيها مثل دخول الجن إلي داخل جسد الانسان والقدرة علي تجنبه ، والحقيقة أن الدفاع الامثل هذه الامور هو التمسك بالايمان القوى بالله تعالي والتسليم بأن شيئا لن يصيبا الا ما كتبه الله سبحانه لنا .

 

            والحقيقة اننا من وجهة النظر النفسية - نحاول دائما أن نتمسك بالحقائق العلمية المدروسة في تناولنا لتلك الأمور ، ونقوم بعلاج هذه الحالات وفق الخط الطبي والنفسي الذى نعلمه دون التوقف كثيرا أمام الاعتبارات الخفية في الموضوعات التي تخص الصحة والمرض .

 

            كلمة أخيرة..عزيزى القارئ..هي نصيحة الطب النفسي إليك..دع عنك الاستغراق في التفكير في هذه الأمور التي قد تدفعك إلي القلق والاضطراب..وكل ما عليك هو أن تتفاءل وتبتسم للحياة..وقبل ذلك وبعده تتوكل علي الله في أمرك كله.   

الصفحة الرئيسية