- الجنــــــون .. والفنـــــــون

 

            يقولون في الأمثال الشعبية: " الجنون.. فنون".. وقد أثبت العلم وجود علاقة قوية بين الحالات الأنفعالية الشديدة التى تسبب الأضطراب النفسى والتى يطلق عليها عامة الناس " الجنون" وبين الأبداع الفنى الذى يظهر في صورة لوحات فنية معبرة عن العالم الداخلى للأنسان .. وأحياناً في صورة أعمال أدبية أو فنية تظهر فيها عبقرية استثنائية غير معتادة .. وهنا محاولة لاستكشاف هذه العلاقة بين الأبداع الفنى والأنفعالات الأنسانية الداخلية.

 

الأبداع .. حالة نفسية:

            حين يبدع الأنسان فإنه في الغالب لا يكون في حالة طبيعية من الوعى المعتاد، وحين يكون في هذه الحالة الخاصة فإن ما يعبر عنه في إبداعه الفنى يكون تعبيراً عن كوامن نفسه، وانعكاساً لما في عقله الباطن وتعبيراً عن تجارب وخبرات من الماضى والحاضر، أو تطلع الى المستقبل، كما أن الأبداع الفنى بين وجهة النظر النفسية هو ظاهرة استثنائية يكون وراءها في العادة موهبة فطرية تؤدى الى القدرة على الخلق والتميز، ومن ناحية أخرى فإن المعاناة الأنسانية والظروف والمؤثرات التى يتعرض لها الأنسان هى التى تظهر هذه الموهبة.. ومن هنا كان الأرتباط بين الأبداع والحالة النفسية .

 

التحليل النفسى.. للفنون

            تنعكس الأنفعالات والمشاعر الداخلية للأنسان على أسلوبه في التعبير بالكتابة، أو الكلام،  أو حين يمسك قلماً ويرسم على الورق.. فالأنسان الذى يعانى من الأكتئاب النفسى مثلاً ويرى الحياة كئيبة والدنيا كلها يأس وظلام، يتجه الى رسم أشكال سوداء، وأشياء مشوهة ذات ألوان داكنة، بينما يمكن لنفس هذا الشخص حين يتخلص من الأكتئاب ويعود الى حالته الطبيعية أن يرسم لوحات من الزهور وأشياء تدعو الى البهجة والفرح ويلونها بألوان زاهية.. كما أن الأنسان في حالة القلق والخوف يعبر عن ذلك بالكلام والرسم بما يعكس ما يدور بداخلهمن مشاعر وأفكار.

فنون المرضى .. وفنون المبدعين:

            حين يقوم المرضى العقليون الذين يعانون من الهلاوس - وهى أصوات يسمعها الأنسان أو أشكال تتراءى أمامه- بالتعبير بالرسم فإن لوحاتهم تعكس العقد والصراعات في داخلهم، ويبدو فيها الغموض والحيرة وتداخل الأفكار.. ولعل الرسم هو أحد الوسائل التى يمكن للأطباء النفسيين استخدامها لمعرفة الكثير من العقد وألفكار المكبوتة داخل العقل الباطن لهؤلاء المرضى حين يتم السماح لهم بالتعبير الحر عما يريدون عن طريق الرسم، ثم تحليل ما يقومون باسقاطه على الورق.

 

            وفى الأعمال الفنية لكبار الفنانين العالميين ما يدل على الخلفية النفسية لهم من خلال العلامات والدلائل التى تحملها الأشكال والألوان التى تزخر بها اللوحات والأعمال الفنية الشهيرة، ومثال ذلك أعمال الفنان" فان خوخ” التى تأثرت بالمرض النفسى الشديد الذى كان يعانى منه حتى أنه في نوبة من الأضطراب النفسى قام بقطع احدى أذنيه وقدمها هدية لأمرأته.

 

الفن العالمى.. في العيادة النفسية:

            هناك لوحات تعد من الأعمال الفنية العالمية الخالدة  تحمل أسماء لها دلالات نفسية قوية.. مثل لوحة " المكتئب" لفان جوخ.. ولوحة " الصرخة" التى تعبر عن القلق والخوف من أعمال " مونش "، ولوحات أهرى عديدة تدل ألوانها وخطوطها وفكرتها على ما بداخل عقل صاحبها من مشاعر الحزن أو القلق أو ما أصابه من اضطراب وتداخل وتشويش. وفى الجانب الآخر هناك لوحات تبعث رؤيتها عن النظر اليها للوهلة الأولى على الأرتياح، مثل لوحة الموناليزا أو " الجيوكاندا" الخالدة التى تمثل وجهاً يبتسم.. وتعطى اللوحة شعوراً لكل من يراها يحمل الأيحاء بالأرتياح والتفاؤل.

 

إرسم شيئاً.. تظهر عقدتك ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

            لقد أمكن ‍فى العيادة النفسية استخدام أسلوب الرسم في تشخيص الحالات  التى تعانى من الأضطرابات النفسية .. واظهار الكثير مما يخفيه المرضى من الصغار والكبار عن طريق السماح لهم بالتعبير عما يشعرون به في صورة رسم ولوحات فنية، فحين نطلب الى الطفل الذى يعانى من اضطراب نفسى أن يرسم صورة لرجل ، أو نطلب منه أن يرسم وجه أبيه أو أمه أو معلمته  في المدرسة فإنه في هذه الحالة عادة ما يعبر عن شعوره نحو كل من هؤلاء بابراز ملامح مرغوبة أو اظهار علامات مشوهة في أشكالهم تعبر عن وجهة نظره نحوهم التى لا تستطيع أن يعبر عنها الكلام ‍ .

 

            عزيزى القارىء - لقد أمكن لى من خلال عملى في مجال الطب النفسى ملاحظة الكثير مما يقوم المرضى النفسيون حين يعبرون بالرسم.. فكان محتوى لوحاتهم في كل الحالات هو انعكاس لأنفعالاتهم ومشاعرهم وأفكارهم .. بما يمكننا في كثير من الحالات من التوصل الى ما يدور داخل عقولهم من هموم وأفكار لايعبرون عنها بالكلام أثناء المقابلة والحديث مع أطبائهم.

 

            أن جمع وتحليل نماذج من رسوم المرضى النفسيين - وهذا ما حاولت عرض البعض منها هنا - قد نتعلم منه الكثير حين نحاول عن طريق الفنون أن نغوص في أعماق النفس الأنسانية.

‍ 

الصفحة الرئيسية