ارقام جهات الصحة الدولية تؤكد :

العالم يعيش عصر الأمراض النفسية !!

  ·  الاضطرابات النفسية تصيب اكثر من نصف سكان العالم :

7% يعانون الاكتئاب النفسي و1% الفصام و3% الوسواس القهرى ، وثلث البشر مصابون بالقلق .

  ·  كم تتكلف الامراض النفسية !؟ معاناة المريض النفسي تفوق مرضي السرطان والعمليات الجراحية .

  ·  طبيعة خاصة للأمراض النفسية .. واعباء هائلة علي المرضي واقاربهم والمجتمع .

        هل يعيش العالم الآن عصر انتشار الامراض النفسية !؟ .. قد تكون الإجابة علي هذا السؤال مدعاة لقلقنا جميعاً .. ومن خلال قراءة التقارير العالمية وما تتضمنه من الارقام حول انتشار الامراض النفسية في العالم اليوم .. والاتجاه الي زيادة اعداد المصابين بها في كل المجتمعات بغير استثناء .. وهنا في هذا الموضوع نناقش دلالات الارقام ..

        وتشير الدراسات التي أجريت في مجتمعات مختلفة في بلدان العالم في الشرق والغرب إلى وجود الأمراض النفسية بنسب متفاوتة في كل مكان ولا يكاد يخلو من أنواعها المتعددة اي مجتمع من المجتمعات ، وقد أكدت ذلك دراسات متعددة للأمراض النفسية في دول الغرب المتقدمة وبعض المجتمعات البدائية ، والدول التي يطلق عليها العالم الثالث ، وتدل دراسات  أخرى على تشابه أعراض الأمراض النفسية التي تصيب الإنسان في المجتمعات المختلفة من حيث مظاهرها الرئيسية ، وإن لوحظ اختلاف في بعض التفاصيل خصوصا المعتقدات التي ترتبط بالمرض النفسي ، ومفاهيم الناس وتفسيرهم لأسبابها ، والأعراض ، والطرق التي يلجأ إليها الإنسان للعلاج حيث يختلف ذلك تبعا للخلفية الثقافية والاجتماعية ، وتذكر تقارير منظمة الصحة العالمية أن الأمراض النفسية تختلف عن غيرها من المشكلات الصحية الأخرى في أنها تتسبب في الإعاقة ، وتمنع المصابين بها من أداء وظائفهم في المجتمع بصورة تفوق غيرها من الأمراض الأخرى ، كما أن التقدم الطبي الذي أدى إلى تحسن غير مسبوق في الحالة الصحية الإنسان في بلدان العالم في السنوات الأخيرة ، والذي تمثل في التخلص من كثير من الأمراض المعدية التي ظلت لوقت طويل تحصد الكثير من الأرواح لم يواكبه تطور مماثل في الصحة النفسية حيث أصبحت الأمراض النفسية تشكل تهديدا خطيرا وتحديا للإنسانية في العصر الحالي.

حجم المشكلة بالأرقام :

        تشير الإحصائيات الصادرة من منظمة الصحة العالمية إلى تزايد هائل في انتشار الاضطرابات النفسية في العالم نتيجة لعوامل كثيرة ومتداخلة ؛ نفسية ، وبيولوجية ، واجتماعية ، ويمكن من خلال الأرقام الاستدلال على حجم المشكلة حيث إن الاضطرابات النفسية تصيب أعدادا كبيرة من الناس في مختلف مراحل العمر ، ومن مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية ، وتتسبب في تدهور ومعاناة يمتد تأثيرها من المريض إلى الأسرة و المجتمع  

        وهنا نقدم بعض الأمثلة من خلال تقارير منظمة الصحة العالمية حول مدى انتشار الأمراض النفسية :

- مرض الفصام العقلي " الشيزوفرينيا "Schizophrenia

        ويعد من أسوأ الاضطرابات العقلية من حيث تأثيره على التفكير والسلوك و الحكم على الأمور وما يتميز به من تدهور في شخصية المريض وميله إلى العزلة والسلوك العدواني ، ويبلغ عدد حالات الفصام في بلدان العالم 45 مليون إنسان ، وتصل نسبة الإصابة إلى 1% من السكان في أي مجتمع ، ويمثل مرضى الفصام أكثر من 90% من نزلاء المصحات والمستشفيات العقلية .

- الاكتئاب النفسي Depression

        يطلق علي الاكتئاب مرض العصر الحالى ، وهو أحد أكثر الأمراض النفسية إنتشارا ، وتؤدى الإصابة بالإكتئاب إلى العزلة وفقدان الإهتمام بالحياة وتزايد إحتمالات الإنتحار ، ويصيب الإكتئاب النساء أكثر من الرجال ، ويقدر عدد حالات الإكتئاب فى العالم بحوالى 340 مليون حالة ، ونسبة الإصابة بالإكتئاب تصل إلى 7% من سكان العالم ، ويؤدى إلى ما يقرب من 800 ألف حالة انتحار كل عام.

- حالات الخرف Dementia

        تحدث هذه الحالات عادة فى الشيخوخة ، وتصاحبها تغييرات فى الجهاز العصبى لكبار السن تؤدى إلى تدهور الذاكرة والسلوك وكل العمليات العقلية ، وعدد هذه الحالات فى دول العالم حوالى 25 مليون شخص فى الوقت الحالى ، وينتظر أن يزيد هذا العدد ليصل إلى 80 مليون شخص بعد عدة سنوات ، وتصل إحتمالات الإصابة إلى 5% فوق سن الستين ، وتزيد احتمالات الإصابة إلى 20% فوق سن 80 سنة ، ومن المتوقع مع تزايد عدد كبار السن فى كل مجتمعات العالم فى السنوات القادمة تزايد الحالات المرضية أيضا مع مشكلات رعاية المسنين وأعباء ذلك على الأسرة و المجتمع .

- التخلف العقلى Mental Retardation

        ينشأ التخلف العقلي عن نقص الذكاء وعدم اكتمال نمو العقل ، وتتراوح هذه الحالات فى شدتها ودرجاتها ، وتصل نسبة الإصابة بالحالات المتوسطة و الشديدة منها إلى 2-4% من السكان ، ويقدر عدد الحالات بحوالى 100 مليون انسان ، وتعتبر هذه الحالات غير قابلة للعلاج فيما عدا بعض خطوات التدريب و التأهيل لمساعدة بعض الحالات.

- امراض اخرى :

        من الامراض النفسية والعصبية الاخرى التى وردت فى إحصائيات منظمة الصحة العالمية والإضطرابات التىتسبب العجز والإعاقة العقلية مرض الصرع Epilepsy  ، وهو أحد اكثر الأمراض العصبية انتشارا ، ويتميز بنوبات من فقدان الوعى والتشنجات ، وله أنواع متعددة ، وتصل نسبة الإصابة به إلى 0.5 - 1% حيث يقدر عدد الحالات بحوالى 40 مليون شخص فى العالم ومرض الوسواس القهرى الذى اعتقد الاطباء لوقت طويل انه نادر الحدوث لكن الارقام تشير الي نسبة انتشار عالية لهذه الحالات تقدر بحوالي 3% من الناس  .

اعباء الأمرض النفسية  :

        بالنسبة لأعباء المرض النفسى على المريض وأسرته والمجتمع فقد تم تحديد عدة أوجه لهذه الأعباء ، وقد ذكرت تقارير منظمة الصحة العالمية أربعة أنواع من أعباء الأمراض النفسية التى تتسبب فى المعاناة للمرضى النفسيين وأسرهم والمجتمع ، وهى :

-العبء المعرف أو المحدد Defined burden  ويتمثل فى العجز أو الإعاقة التى تنشأعن الإصابة بالمرض النفسى وتأثيره على مواصفات الحياة quality of life ، وتمثل نسبة أعباء الأمراض النفسية والعصبية 10.6% من مجموع الأمراض مجتمعة ، كما تتسبب بها في ضياع 28% من سنوات الحياة للمرضى الذين يعانون منها.

- العبء غير المحدد Undefined burden ويتضمن الخسائر المادية والإجتماعية التى تنشأ نتيجة للإصابة بالمرض العقلى للمريض نفسه والمحيطين به من أفراد أسرته والمجتمع ، ولا يمكن تقدير ذلك بالأرقام حيث يتضمن التكاليف المادية للعلاج والتأهيل، ونقص الإنتاجية ، والأعباء النفسية على أفراد الأسرة وتأثر حياتهم وإنتاجيتهم .

- العبء الخفى (غير المنظور ) Hidden burden ويتمثل فى الوصمة التى تسببها الإصابة بالمرض العقلى وإنتهاك الحقوق الأساسية للمريض ، ويترتب على ذلك مشاعر العزلة والإذلال والحرمان من العلاقات الإجتماعية .

- عبء المستقبل Future burden وهو توقع تزايد حالات الإصابة بالإضطرابات النفسية وما يترتب عليها من إعاقة عقلية نتيجة لزيادة انتشار الأمراض النفسية ، وزيادة أعداد المسنين ، والتغييرات التى يشهدها العالم  نتيجة للصراعات والحروب والكوارث الطبيعية ، ومن شأن هذه الأعباء التأثير بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حصول المرضى النفسيين على حقوقهم مثل حق العدالة فى الرعاية والخدمات الصحية دون تفرقة ، وحق الحرية للمرضى بأن لا يتم احتجازهم أو تقيد حريتهم ، وحق الحماية من الإنتهاك ، وعدم التعرض للإساءة البدنية أو الجنسية ، وحق الموافقة على العلاج دون إجبار،وحق تحكم المرضى وسيطرتهم على أموالهم وممتلكاتهم دون أن يغتصبها أحد.

طبيعة الأمراض النفسية

        تختلف طبيعة الأمراض النفسية عن غيرها من المشكلات الصحية الأخرى ، وترتبط الأمراض النفسية ببعض المفاهيم والمعتقدات Concepts and beliefs فى مجتمعات العالم المختلفة خصوصاً المجتمعات الشرقية حيث يحيط الكثير من الغموض بالمرض النفسى، ويدفع ذلك إلى أن يعزو الناس الإصابة بالأمراض النفسية إلى تأثير القوى الخفية مثل السحر والجن والحسد ، ويرتبط ذلك بالخلفية الثقافية والإجتماعية فى بلدان العالم العربى والإسلامى ، كما تؤكد بعض الدراسات النفسية العربية.

        وتذكر دراسات أخرى أن الكثير من المرضى النفسيين لا يحصلون على الرعاية والعلاج الملائم نتيجة اللجوء إلى وسائل غيرطبية للعلاج لدى الدجالين وأدعياء الطب ، وينشأعن ذلك تأخر عرض حالات المرضى على الطب النفسى الحديث و تعرضهم للمضاعفات و المعاناة لفترات طويلة،ويتعلق ذلك بصورة مباشرة بحقوق المرضى النفسيين حيث يتعرض بعضهم لإنتهاكات وممارسات غير أخلاقية ، بالإضافة إلى الإهمال والإبتزاز والعنف والإساءة الجنسية ، وقد تم دراسة ظاهرة وصمة المرض العقلى Stigma of mental illness فى الثقافة العربية حيث أظهرت نتائج الأبحاث إرتباط المرض النفسى بوصمة الجنون لدى المرضى وأقاربهم ، ويمتد تأثير هذه الوصمة ليشمل تخصص الطب النفسى و العلاج فى المستشفيات والعيادات النفسية مما يدفع المريض النفسى وأهله الى تجنب التعامل مع الطب النفسى، ومحاولة إخفاء الإصابة بالمرض النفسى،وذلك حتى لا يتأثر وضعهم الإجتماعى .

        وقد ذكرت دراسات أخرى فى بلدان العالم عموما ، وفى المجتمعات العربية أيضا وجود إتجاهات سلبية Negative attitudes  لدى عامة الناس نحو المرضى النفسيين ،وتسهم هذه الإتجاهات السلبية فى الإضافة إلى متاعب المرضى النفسيين وزيادة عزلتهم عن المجتمع ، كما يؤثر ذلك فى مشاعر المرضى النفسيين ويحول دون حصولهم على حقهم فى الرعاية والإهتمام، وهو دليل على عدم تفهم طبيعة الأمراض النفسية ومعاناة المرضى النفسيين ، ويشير إلى ذلك دراسات اجريت في بعض المجتمعات العربية لتحديد اتجاهات العامة وطلاب الطب والأطباء الممارسين وطلاب أقسام علم النفس بالجامعات نحو المرضى النفسيين ، واظهرت نتائجها وجود اتجاه سلبي تتمثل في النفور من المرضي النفسيين  وعدم قبولهم في المجتمع .

        وقد تم إقتراح خطوات محددة في تقارير منظمة الصحة العالمية تهدف الي تخفيف أعباء المرضى النفسيين ، ومساعدة المرضى واسرهم فى تحمل المعاناة الناجمة عن اعباء المرض النفسي ، ولعل هذه القراءة في التقارير العالمية حول الامراض النفسية وانتشارها في العالم اليوم والاتجاه الي زيادة اعداد المصابين بها في كل مجتمعات العالم يدفع الي المزيد من الاهتمام لدى كل الجهات للتأكيد علي اهمية الوقاية والعلاج من الاضطرابات النفسية حتي تتجنب الاجيال الحالية والمقبلة المعاناة والاعباء التي يسببها المرض النفسي مع تمنياتنا للجميع بصحة نفسية دائمة .

 

 الصفحة الرئيسية