أسوأ انواع المخدرات ليس الأقوى في تأثيره علي الجسم والعقل،وليس الأسرع ادمانا كما يظن الكثير منا حين يعتقد بأن الهيرويين وغيره من المخدرات البيضاء أسوأ اثراً علي الانسان من المخدرات التقليدية المعروفة..لكن الحقائق والأرقام تشير الي غير ذلك، فأنواع المخدرات الأكثر انتشاراً وتداولاً ، والتي تجد بعض القبول الاجتماعي ، وتلك التي يسهل الحصول عليها ، وليست غالية الثمن هي الأكثر خطراً في تأثيرها المدمر علي قطاعات كبيرة من الناس .. وتبعاً لذلك يمكن من خلال الأرقام ان نقول بأن تدخين السجائر أسوأ انواع الادمان وأكثره تسبباً في الأمراض والوفيات حيث يقتل التدخين ما يقرب من 3 مليون انسان كل عام بمعدل شخص يلقي حتفه كل 10 ثوان .. ويأتي الكحول في المرتبة الثانية متقدما علي كل أنواع المخدرات الاخرى المعروفة من حيث الانتشار والآثار الصحية والنفسية والاجتماعية ، والمضاعفات المرضية والوفيات الناجمة عنه والتي تفوق كل أنواع المخدرات الاخرى مجتمعة !!

 

            وهنا نقدم لك عزيزى القارئ - في هذا الموضوع معلومات عن الكحول .. الذى يعتبر أسوأ المواد المؤثرة علي العقل وأهمها وأكثرها انتشاراً .. ولنقرأ معاً هذه السطور ..

 

بالأرقام .. الكحول الأسوأ :

            الكحول الأكثر انتشاراً حيث يأتي في مقدمة مواد الإدمان من حيث عدد الذين يستخدمونه كما تؤكد الإحصائيات المقبلة من دول الغرب .. وتذكر الأرقام ان نسبة 85% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية هم من المتعاطين للكحول ، وهذا معناه ان ما يقرب من 172 مليون شخص في أمريكا يستخدمون الكحول ، ولا يعني أنهم جميعاً يدمنون المشروبات الكحولية بل هناك نسبة من هؤلاء يتعاطون أحياناً ، ونسبة أقل يدمنون التعاطي بانتظام ، والغريب أن هذه النسبة تفوق عدد المدخنين الذين لا تزيد نسبتهم عن 73% اى 147.5 مليون أمريكي ، ويلي ذلك استخدام المواد الأخرى مثل الحشيش او الماريجوانا بنسبة 33% اى 68 مليون شخص ، والادوية النفسية المهدئة بنسبة 12.5 % ( نحو 25 مليون ) ، وعقاقير الهلوسة التي يستخدمها 9% من الأمريكيين ويزيد عدد الرجال المدمنين عن عدد النساء بنسبة كبيرة بالنسبة لكل أنواع المخدرات عدا الكحول الذى يقل فيه الفارق بين نسبة المدمنين في الجنسين ليصل الي 1:2 ، آي ان السيدات يتجهن الي ادمان الكحول بنسبة أكبر من استخدام المواد الأخرى ويصل عدد المدمنات الي نصف عدد الرجال من مدمني الكحول .

 

            ومن خلال هذه الأرقام يتبين ان الكحول هو أكثر مواد الإدمان انتشاراً ، وكان منذ القدم ولا يزال يستخدم علي نطاق واسع ، ولا تصل درجة رفض الناس له إلي الدرجة التي ينظرون بها الي ادمان المخدرات الأخرى ، فالكحول أكثر قبولاً في كل المجتمعات ، ومن خلال الأرقام عن التكلفة المباشرة وغير المباشرة التي تقدر بنحو 150 بليون دولار سنوياً في الولايات المتحدة ( بمعدل 600 دولار لكل فرد في العام ) ، ويتسبب تعاطي الكحول في التعرض لمشكلات صحية ، وغياب عن العمل أم الدراسة ، حوادث الطرق عند القيادة تحت تأثير الخمر ، والمشكلات النفسية مثل نوبات فقدان الوعي من الذاكرة ، والجرائم التي يرتكبها المدمنون تحت تأثير الكحول .. ومن هنا يمكن القول دون مبالغة ان الكحول هو الأسوأ والأخطر بين كل مواد الإدمان الأخرى .

 

هؤلاء يدمنون الكحول :

            اثبتت الدراسات ان إدمان الكحول يأتي في مقدمة المشكلات الصحية والنفسية والاجتماعية في بعض المجتمعات الغربية ، وتزيد نسبة إدمان الكحول في المدن الكبرى خصوصاً في المناطق المزدحمة ، ونسبة الرجال تفوق السيدات في ادمان الكحول مرتين أو 3 مرات ، وفئة العمر بين 18-25 سنة من الشباب هم الأكثر تعاطياً للكحوليات ، ولا يرتبط تعاطي الكحول بطبقة اجتماعية معينة فالأنواع المختلفة من المشروبات الكحولية مثل البيرة والنبيذ والأنواع غالية الثمن مثل " الويسكي" و" الشمبانيا " و " الفودكا " تحتوى علي نسب متفاوتة من الكحول تتدرج من 2% في البيرة حتي تركيز 40% في الويسكي ، وهناك بعض المشروبات يستطيع المتعاطون من كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية الحصول علي المشروبات الكحولية .

 

            وعند دراسة الخلفية النفسية والاجتماعية لمدمني الكحول تبين أنهم يشتركون في بعض الصفات منها التنشئة غير السليمة في الطفولة حيث يكون الأب أو أحد افراد الإسرة من المدمنين للكحول ، وقد دفع ذلك الي البحث عن عامل وراثي أو جينات تحمل صفة الميل الي ادمان الكحول حيث تشير الدلائل الي وجود هذا الاستعداد الوراثي في بعض الأسر مما يمكن معه التنبؤ بأن افرادها معرضون لإدمان الكحول أكثر من غيرهم ، كما يرتبط ادمان الكحول بالشخصية المضطربة المضادة للمجتمع وهو نوع من الاضطراب المرضي للشخصية يتجه فيه الشخص بالإضافة الي الادمان للخروج علي القوانين والعرف وعدم الالتزام واثارة المشكلات وارتكاب الجرائم والحوادث دون تأنيب من الضمير .. كما ان مدمني الكحول يكون لديهم الاستعداد أيضا لتعاطي وادمان مواد اخرى مثل المخدرات المختلفة ، ومنهم من يبدأ بالتعاطي في مناسبات اجتماعية أو اثناء التعرض للمشكلات والقلق ثم يتجه الي الادمان فيما بعد .

 

ماذا يفعل الكحول بالجسد والعقل ؟

            يعتبر الايثانول Ethanol  أو الكحول الاثيلي هو المادة الفعالة في المشروبات الكحولية حيت تحتوى الجرعة الواحدة التي يتم تعاطيها علي نحو 12 جراماً من الايثانول ، وهي ما يعادل 112 أوقية من البيرة او أوقية واحدة من الويسكي ، ويتم امتصاص الكحول مباشرة في المعدة والجزء الأول من الأمعاء الدقيقة في مدة 30-90 دقيقة ليصل الي اعلي مستوياته في الدم بنسبة 15-20 مجم% ومنه الي كل انسجة الجسم ، ويقوم الكبد بإفراز انزيمات خاصة للتخلص من التأثير الضار للكحول علي الأنسجة تعمل عن طريق تكسير جزيئات الكحول لتفقد تأثيرها ، وحين تقل هذه الانزيمات نتيجة للأمراض فإن التسمم بالكحول يحدث بعد التعاطي مباشرة ، ويقوم الكبد بالعبء الأكبر في التعامل مع الكحول بنسبة 90% بينما يتم التخلص من نسبة 10% الباقية عن طريق الكلي والجهاز التنفسي من الرئتين ، ومن هنا كان الكبد اكثر عرضة للإصابة بالالتهابات وترسب الدهو ثم التليف حتي تتلف خلاياه بتأثير الكحول .

 


 

            ويتأثر الجهاز العصبي بارتفاع نسبة الكحول في الدم نتيجة لتأثيره علي كيمياء المخ ، وحين يصل التركيز الي نسبة 5% تبدأ مظاهر خلل التفكير والسلوك في الظهور ، ومع زيادة تركيز الكحول يفقد الشخص السيطرة علي ارادته الأخرى ليسبب هبوطاً في وظائف الجهاز العصبي أو تسبب جرعاته الزائدة التسمم،وهناك حالة الذهول الرعاش Delirium Trenens  التي يغيب فيها الوعي مع ارتعاش كل اعضاء الجسم ، وحالات فقد الذاكرة او الاصابة بالذهان الذى يشبه الجنون وتخيل أشياء وهمية في صورة هلاوس سمعية وبصرية ، وقد يؤدى الاستخدام المستمر للكحول الي الاصابة بحالة العتة dementia التي تشبه خرف الشيخوخة . ومن الآثار السلبية الأخرى للكحول ضعف القدرة الجنسية ، وزيادة نسبة التعرض للاصابات والحوادث .

 

الحل .. بالوقاية قبل العلاج :

            لا تختلف مشكلة ادمان الكحول من مواجهتها عن مشكلة الإدمان بصفة عامة ، والوقاية هنا أهم وأجدى من العلاج ، وهذا الأمر تؤكده الملاحظة حيث تعود نسبة كبيرة من المدمنين الي التعاطي مرة أخرى بعد التوقف ، ومن خلال مراجعة الأرقام والاحصائيات حول إدمان الكحول يتبين أن المشكلة تمثل ضغطاً هائلا علي الخدمات الصحية بالإضافة إلي الآثار النفسية والاجتماعية لإدمان الكحول نتيجة للزيادة الهائلة في أعداد المدمنين للكحول في المجتمعات الغربية ، وفي بلدان العالم الإسلامي فإن هذه المشكلة أقل حدة نظراً لتعاليم الاسلام الواضحة بتحريم تداول وتعاطي الخمور ، وهذا يحقق الوقاية التي تعتبر أهم من العلاج ، ويجب التركيز علي تقوية الوازع الديني منذ الطفولة للحد من نسبة الانحراف في المراهقة والشباب ومراحل العمر التالية .

 


 

            ولعلاج آي مدمن للكحول لابد أن تكون لدى هذا الشخص الرغبة والارادة للإقلاع لأن من يتم إجباره علي التوقف لا ينجح علاجه ، ويتم العلاج باتباع وسائل متعددة في نفس الوقت أهمها :

   -   الفحص الطبي والنفسي لتحديد مدى الخسائر والأضرار الصحية والنفسية نتيجة لتعاطي الكحول والبدء بعلاجها حسب كل حالة .

   -   في مرحلة الانسحاب وهي الأيام الأولي التي تعقب التوقف عن تعاطي الكحول يتم إحلال تأثيره باستخدام الأدوية النفسية حتي يتم السيطرة علي الأعراض الحادة المتوقعة مثل التشنجات والذهول والغيبوبة .

   -   العلاج النفسي عن طريق جلسات للعلاج الفردى أو العلاج الجماعي الذى يتم لمجموعة من مدمني الكحول معاً وقد يكون أفراد المجموعة غير معروفين لبعضهم البعض حيث يطلق علي هذه المجموعات العلاجية " الكحول المجهول " واختصارها AA وهي وسيلة مفيدة يساعد فيها المدمنون بعضهم بعضاً .

   -   العلاج السلوكي ويتم عن طريق استبدال شعور اللذة المرتبط بالتعاطي بالنفور من المشروبات الكحولية ، ويستخدم لذلك مادة يطلق عليها " ديلسلفرام " Disulfi-ram وتسبب هذه المادة التي يتناولها المريض في صورة دواء أعراضا جادة مثل القئ والغثيان والألم بمجرد أن يتعاطي الشخص أية كمية من الكحول مما يجعله يبتعد تدريجيا عن التعاطي .

   -   من المهم متابعة هذه الحالات بعد الاقلاع ومساعدتهم بعد تأهليهم للعودة إلي الحياة بهدف تغيير الظروف المحيطة بهم والتي دفعتهم الي الادمان قبل ذلك ، والاهتمام بهم أسريا واجتماعيا .

            وفي النهاية بعد هذه الحقائق التي عرضناها هنا عن الكحول فإن فكرتنا عن هذا النوع من الإدمان لابد أن تتغير بحيث نضع مشكلة ادمان الكحول في مقدمة الأولويات في الاهتمام والمكافحة .. وبدلا من القبول النسبي الذى يحظي به الكحول مقارنة بغيرة من المخدرات الأخرى فإنه يعتبر الأسوأ والأخطر بين المؤثرات العقلية ، ويجب أن يتم توجيه الجهود للوقاية أولاً من تعاطي الكحول ، ثم العلاج والمساعدة لمدمني الكحول ، وخلق وعي مضاد يمنع إضافة المزيد من الحالات الي جموع المتعاطين والمدمنين للكحول في المجتمع .. مع تمنياتي للجميع بصحة نفسية دائمة .

 

الصفحة الرئيسية