رؤية نفسية لحوادث الطرق المتفاقمة

ضرورة الفحص النفسي لقــائدي السيارات

        مذبحة كبيرة تحدث فصولها كل يوم .. ومكانها كل طرق مصر وبلاد العالم الأخرى بدرجات متفاوتة داخل وخارج المدن .. الأرقام تشير إلي أكثر من 5000 شخص يفقدون حياتهم سنويا في حوادث المرور في مصر بالإضافة إلي ما يقرب من 23 ألف إصابة في أكثر من 54 ألف حادث تقع سنويا علي الطرق في أنحاء مصر .. هذا ما تذكره الأرقام لما يتم الإبلاغ عنه، وهذه الأرقام لأعداد القتلى والجرحى تفوق ضحايا الحروب .. ويمكن أن يكون حجم المشكلة أكبر من ذلك بكثير . وإذا كان سبب الحادث هو الطريق أو المركبة أو السائق فإن 90% أو أكثر من المشكلة يتركز في العامل البشري . وهنا نتناول بعض الجوانب النفسية في الحوادث من وجهة نظر الطب النفسي .

1-عوامل نفسية وراء الحوادث

        تعتبر الحالة النفسية والصفات الشخصية والسلوكية لقائد السيارة من العوامل الرئيسية في حوادث الطرق . ومن وجهة النظر النفسية فإن قيادة السيارة هي عمل مركب يتعرض خلاله السائق لكثير من المواقف والانفعالات التي تتطلب التركيز المستمر والقدرة علي ضبط الانفعال ورد الفعل الملائم دون توتر أو قلق ، ولا تتوفر هذه العوامل في معظم السائقين المحترفين خصوصا الذين يعتمدون علي الخبرة والثقة العالية في قدراتهم وهؤلاء يتسببون في نسبة حوادث تفوق السائقين المبتدئين الذين يلتزمون بالدقة والحذر أثناء القيادة ، وترتبط الحالة الانفعالية للسائق بزيادة فرصة تعرضه للحوادث والمثال علي ذلك من يقود السيارة وهو يعاني من الانشغال أو القلق أو الخوف من شيء ما ، وكذلك تزيد فرصة الحوادث مع الإجهاد الذي يؤثر علي مستوي التركيز اللازم للتعامل مع المفاجآت أثناء القيادة كما تؤثر معرفة السائق المسبقة بالمكان الذي يقود فيه السيارة حيث تزيد فرصة التعرض للحوادث في الأماكن غير المألوفة لقائد السيارة. 

        وقد لاحظ علماء النفس زيادة نسبة حوادث الطرق بصورة كبيرة في فترات تعرض المجتمع لأزمات آو حروب أو كوارث تلقي بعبء نفسي كبير علي الناس بصورة جماعية، والمرجح أن الانشغال وزيادة مستويات القلق والخوف وانعدام الأمن وعدم التركيز التي يزيد انتشارها جماعيا هي من أسباب زيادة الحوادث عن معدلاتها المعتادة ، ويؤكد ذلك أهمية الجانب البشري في الحوادث وتأثير الحالة النفسية.

2- الأدوية النفسية والمؤثرات العقلية الأخري

        المعروف أن البعض يقود السيارات تحت تأثير الأدوية والعقاقير التي تؤثر علي الجهاز العصبي والحالة النفسية . ونقصد صراحة بالمؤثرات العقلية المواد المخدرة بأنواعها سواء التي يتم تداولها لأغرض طبية ويدمن البعض علي تعاطيها مثل الأدوية المهدئة والمنومة والمنشطة ، أو المواد المحظورة التي يتم ترويجها وتشير كل الإحصائيات إلي تزايد استخدامها في فئة السائقين المحترفين ، وكذلك في بعض الشباب وكثير منهم لا يتوقف عن قيادة السيارات وهم تحت تأثير هذه المواد ، ولعل أكثر هذه المواد انتشارا بالخارج هو الكحول الذي كان محل دراسات متعددة من جانب الأطباء النفسيين وعلماء النفس لتأثيره علي الحالة العقلية ومدي تداخله مع وظائف الجهاز العصبي حيث لا يستطيع الشخص حين يصل الكحول بالدم إلي مستوي معين ويؤثر علي الإدراك الحسي والتوافق العضلي العصبي أن يقوم بالحركات وردود الأفعال المعتادة التي تتطلبها القيادة بأسلوب سليم ، ويعتبر الحشيش ( الكانابس cannabis  ) من المؤثرات العقلية واسعة الانتشار في أوساط السائقين ، ويؤدي إلي اضطراب الإحساس بالزمان ، وعدم تقدير المسافات مما يؤدي إلي التصادم مع أشياء يعتقد أنها بعيدة كما يجعل يتصور الطريق الممهد علي سطح الماء أو في الاتجاه المعاكس ، وتؤدي الأدوية المهدئة مثل الفاليوم ( ديازبام diazepam  ) إلي زيادة زمن الرجع أي مدي رد الفعل بين استقبال مؤثر ما والاستجابة له مما يفقد السائق القدرة علي تلافي المواقف المفاجئة ، وتؤدي المنشطات مثل الامفيتامين إلي حالة من التوتر والروعنة والميل إلي المجازفة والمغامرة تتسبب في الحوادث ، كما تؤدي إلي الهلاوس والخداعات حيث يتخيل السائق بعض الأشياء في الطريق علي صورة أشباح تختلف عن شكلها الحقيقي ، ومن المعروف في كل بلاد العالم أن القيادة تحت تأثير مثل هذه المواد ممنوعة قانونا وعقوبتها رادعة كما أن طرق الكشف عنها متوفرة ويتم ذلك بصورة فورية ومنتظمة .

علاقة التدخين وعوامل خفية أخرى بالحوادث

        أفادت بعض الدراسات عن تزايد نسبة التعرض للحوادث في المدخنين الذين يمارسون عادة التدخين أثناء القيادة، وتفسير العلاقة الثابتة بين إشعال السجائر وتدخينها أثناء قيادة السيارة وبين مخاطر التسبب في بعض الحوادث أن التدخين يؤدي إلي تشتيت الانتباه والانشغال عن التركيز في القيادة من ناحية ، ومن ناحية أخري فإن مادة أول أكسيد الكربون السامة في دخان السجائر داخل جو السيارة المغلقة تزيد من نسبة هذا الغاز في الدم وتؤثر علي وظائف المخ والأداء العصبي اللازم للسيطرة علي الحركات الدقيقة أثناء القيادة ، ومن وجهة النظر النفسية فإننا ننصح بعدم التدخين نهائيا أثناء قيادة السيارات .

        في دراسات أمريكية أجريت بواسطة عالم النفس الأمريكي Lesse  تبين أن بعض الناس لديهم استعداد خاص للتعرض للحوادث أطلق عليهم " قابلية التعرض للحوادث " accident proneness وقد فسر عالم النفس ذلك بأن البعض من الناس لديهم رغبة لا شعورية في تدمير أنفسهم يتم التعبير عنها في صورة حادثة تبدو للناس كما لو كانت قضاءا وقدرا لكن الاكتئاب الداخلي لديهم والملل من الحياة هو الدافع اللاشعوري لارتكابهم الحادث الذي قد يودي بحياتهم ، وحين تكون هذه الحالة لدي من يقود السيارة فإنه يضع نفسه دون أن يدري في الموقف الذي يكون فيه ضحية للحادث ، وهذه حالة غريبة فقد لا يتصور أحد أن ضحية الحادث قد أقدم دون أن يدري علي الانتحار بهذه الطريقة !!

آثار نفسية مدمرة للحوادث :

        تعتبر الخسائر النفسية المتمثلة في الآثار النفسية السلبية الناجمة عن الحوادث أهم وأخطر من الإصابات المباشرة بالجروح والكسور والكدمات التي تحتاج إلي الإسعاف وتلتئم مع مرور الوقت، ولكن الآثار النفسية التي يعاني منها الناجون من الحوادث وخصوصا أولئك الذين يشاهدون هذه المواقف الصعبة حين يتعرض المرافقين لهم للقتل وتناثر أشلائهم ، وتسيل الدماء من الجراح ، ويعلو صراخ الجرحى فإن هذه المشاهد المأساوية تمثل صدمة نفسية هائلة تفوق طاقة الاحتمال لكثير من الناس ،وينشأ عن ذلك الإصابة بحالة نفسية شديدة يطلق عليها الأطباء اضطرابات الضغوط بعد الصدمة وتعرف اختصارا PTSD ، وفي هذه الحالة تسوء الحالة المزاجية للمريض وتظل الصور والمشاهد التي عاشها أثناء الحادث ماثلة في ذهنه أثناء اليقظة ، ويستعيدها أيضا في صورة كوابيس وأحلام مزعجة أثناء النوم الذي يصبح متقطعا ، وتسوء حالته وتتدهور لدرجة قد تسبب له عدم القدرة علي القيام بعملة وممارسة حياته الاجتماعية مع أسرته والآخرين ، وهي حالة مزعجة حقيقية بسبب هذه الحالة النفسية .

        وتقدر نسبة حدوث هذه الآثار النفسية الشديدة بما يقرب من 25 % من الذين يتعرضون للحوادث ، أي واحد من كل أربعة ، وتشبه هذه الحالة ما يحدث للجنود عقب الحروب حين يتعرضون للكوارث الجماعية والفردية ، ولا يستطيع أحد أن يقدر تكلفة هذه الحالات التي تمثل نموذجا للإعاقة النفسية للناجين من الحوادث رغم أن بعضهم لم يصاب بسوء من حيث الجراح أو الكسور لكن الآثار النفسية للحوادث تظل سبب معاناة مزمنة لهم ، وغالبا فإن الذين يقدرون تكلفة الحوادث يذكرون خسائر الأرواح من القتلى والمصابين بجروح وكسور واضحة ، ولا يضيفون الأعباء النفسية للحوادث التي يدفع ثمنها الناجون ومعهم أسرهم وأقاربهم والمجتمع أيضا .

ما الحل من وجهة النظر النفسية ؟

        أعرض هنا اقتراحا هاما للغاية يمكن أن يحد من الحوادث بشكل كبير يتعلق بالعوامل النفسية التي تقف وراء نسبة عالية منها ، وكما هو معروف فإن الذين يمنحون رخصة القيادة يطلب منهم شهادة طبية بالخلو من الأمراض وشهادة فحص العين لقوة الإبصار . لكن أحدا لم يفكر في الناحية النفسية ، فقد يكون الشخص لدية حالة إضطراب عصبي مثل نوبات الصرع التي تحدث في أي وقت ولاتظهر في الفحص الطبي المعتاد لأنه بين النوبات يكون طبيعيا تماما، أو قد يكون مصابا بحالة نفسية مثل الفصام العقلي الذي يجعله يتصور أحيانا أنه يسمع أصوات هلاوس تتحاور معه وتطارده ، أو التخلف العقلي الذي يمنع من الحكم الدقيق علي الأمور أو تقدير المواقف ، آو حالة الهوس التي تؤدي إلي الهياج الشديد وعدم المبالاة ، وكذلك إضطرابات الشخصية التي تتسبب في الميل إلي السلوك العدواني دون خوف من أي عقاب ، والإدمان حيث أن المؤثرات العقلية التي ذكرنا نماذج منها تؤثر علي الإدراك وتقدير المسافات وزمن رد الفعل، ونحن بحكم العمل في مجال الطب النفسي نصادف بعض المرضي الذين يقودون سياراتهم وهم يعانون من إضطرابات عقلية لايمكن معها أن نتوقع معهم التصرف بطريقة سليمة أثناء القيادة ، وتمثل هذه مشكلة أخلاقية قانونية هامة من وجهة نظر الطب النفسي حيث أن الطبيب النفسي يجب في هذه الحالة أن يبلغ من يهمه الأمر بأن هذا الشخص خطر علي نفسه وعلي الآخرين خاصة حين يقود سيارة في الطريق ، لكن الغالب أن الطبيب فقط ينصح المريض الذي لا يتوقف عن قيادة سيارته ويستمر في ذلك ، ولا يتم الإبلاغ عن شيء لأن في ذلك مشكلات كثيرة لا يستطيع الأطباء التفرغ لها.

        وفي كتابي " الطب النفسي والقانون " طرحت هذه المشكلة العملية التي نصادفها أثناء العمل في العيادات النفسية حين نلاحظ أن بعض المرضي ممن لا تسمح حالتهم بقيادة أمنه للسيارات إما بسبب حالة التوتر التي تؤثر علي قدرة المريض في تقدير الأمور أو بسبب إدمان المريض علي بعض أنواع المخدرات التي تؤثر علي الإدراك والوعي والانتباه وزمن رد الفعل، وحتى الأدوية النفسية التي توصف عادة لعلاج هؤلاء المرضي غالبا ما تؤثر علي هذه الوظائف، والمشكلة هنا هي قاعدة الاحتفاظ بالثقة والسرية المهنية لحالة المريض ، ولكن هناك قاعدة أخري توجب التحذير والحماية للمريض والمجتمع معا بالإبلاغ للمنع من قيادة السيارة ، ولا تزال هذه المشكلة المتناقضة محل جدل وخلاف من وجهة النظر الطبية والقانونية .

        واقتراحي هنا هو أن يكون الفحص النفسي والعصبي ضمن شروط استخراج رخصة القيادة ، وأن يتم ذلك بصورة جدية ، وأري أن ذلك سيكون من شأنه الحد من الحوادث بصورة ملحوظة.

 

 الصفحة الرئيسية