الفلوس

.. كلمة السر التي يدور حولها الكثير من اهتمام الناس .. وهمومهم أيضاً .. وكما أن الفلوس ( أو النقود ) هي رمز للرزق أو المكسب الاقتصادى والرفاهية ، فإنها أيضاً - من وجهة النظر النفسية - مصدر للقلق ، وسبب في كثير من الإضطرابات النفسية ..

            وهنا .. في هذا الموضوع .. نحاول إلقاء الضوء علي العلاقة بين المال وبين الحالة النفسية .. ونتأمل في أحوال الناس وعلاقتهم بالفلوس .. ثم نحاول أن نصل إلي صيغة متوازنة لتجنب " الآثار الجانبية " التي تنشأ عن القلق والهموم التي تسببها الفلوس .

 

المال .. مصدر للقلق :

            العلاقة بين الحالة الاقتصادية ، أو حالة الإنسان من حيث الفقر والغني وما يمتلكه من أموال وبين الحالة النفسية للشخص وما يصيبه من انفعالات واضطرابات كانت ولا زالت أحد موضوعات البحث بالنسبة لعلماء النفس .. فقد حاول " هولمز " عالم النفس الأمريكي أن يحدد الضغوط والعوامل التي تصادف الناس في حياتهم ، والمواقف التي يتعرضون لها وينشأ عنها الاضطراب النفس لما تمثله من ضغط نفسي ، وقد وضع لكل من مواقف وأحداث الحياة التي يرى أنها تمثل نفسية تقديراً كمياً في صورة درجات تتناسب مع التأثير الانفعالي لهذا الحدث علي صحة الفرد النفسية حين يتعرض له ، ووضع قائمة تضم عدداً من المواقف تندرج في تأثيرها كان من بينها عدد من الامور المتعلقة بالمال منها علي سبيل المثال الخسارة المادية ، أو الاستدانة بالحصول علي قرض مالي ، أو فقد مصدر الرزق من العمل أو التجارة ، وحتي الحصول علي مكسب مالي كان من وجهة النظر النفسية مصدر انفعال وضغط نفسي قبل أن يكون مناسبة سارة تبعث علي السرور والارتياح !!

            ومن خلال ممارسة الطب النفسي فإننا حين نحاول البحث عن جذور الأمراض والاضطرابات النفسية التي تصيب الناس والتي تزايد انتشارها في عالم اليوم مثل القلق والاكتئاب فإن اصابع الاتهام تشير إلي اسباب تتعلق بالمال أو الصحة أو الأبناء .. وهذه هي تقريباً المصادر الرئيسية للمتاعب النفسية لكثير من الناس حين ساورهم القلق بشأن الرزق أو حالتهم الصحية أو حول أحوال ومستقبل ابنائهم .. وكما نلاحظ فإن المال يأتي في المقدمة حيث يقلق الشخص علي وضعه المادى سواء كان فقيراً يشغل باله الحصول علي الفلوس ، أو غنياً يخشي أن يخسر أو يفقد ما لديه منها !!

 

الحصول علي الفلوس :

            من الناحية العملية .. لا توجد علاقة مباشرة بين مستوى ذكاء الفرد وحالته الاقتصادية أو وضعه المالي ، وكثير من الناس رغم ارتفاع مستوى قدراتهم لا يمكن لهم الوصول إلي حالة الثراء أو كسب الكثير من المال باستخدام الذكاء والحيلة ، كما توجد نماذج أخرى من متوسطي الذكاء بل وأصحاب القدرات المحدودة يتوفر لهم كسب مادى كبير ، ولا يوجد تفسير نفسي لذلك حيث أن مسألة الرزق تظل خارج الكثير من الحسابات العلمية ، فلا تجد تفسيراً لنجاح شخص فشل في التعليم نتيجة للبطء في التحصيل الدراسي في أن يجمع ويدير ثروة كبيرة .. بينما يعيش زميله الذى تفوق في الدراسة وحصل علي قدر كبير من التعليم في حالة من الفقر !!

            وحين نحاول البحث عن التأثير النفسي للفلوس فإننا نجد أنها مواقف كثيرة لا تكون مصدراً للسعادة أو راحة البال .. بل علي العكس من ذلك فإن المال يقف وراء الكثير من الصراعات الانسانية علي مستوى الأفراد والجماعات ، وكثير من الجرائم التي ترتكب ويتم فيها استخدام العنف وازهاق الارواح يكون الدافع الاول وراءها هو الحصول علي الأموال والذين يقومون بالسرقة كثيرا ما يكون عملهم مبرراً بأنهم " لا يجدون الأموال التي كفيهم فيلجأون لسرقة أموال غيرهم ، وهذا تبرير مرضي غير مقبول لأن الكثير من اللصوص يحصلون علي ما يزيد كثيراً من حاجتهم من أموال الآخرين .. والغريب أيضاً أن من يحصل علي الأموال بطرق غير مشروعة يتجه إلي إنفاق هذا المال في بنود ضارة مثل المواد المخدرة أو الإسراف في الطعام الذى يسبب الأذى .

 

المنظور الأسلامي :

            حين نتأمل المنظور الاسلامي لقضية المال نجد أن الجانب النفسي في المسألة قد ورد ذكره بصورة مباشرة في آيات القرآن الكريم في قوله تعالي : " زين لناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة " ومن قوله تعالي : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا.. "ومع التأكيد علي اهتمام الناس بالمال وحرصهم علي الحصول عليه فإن آيات القرآن الكريم تتضمن تحذيراً من الاتجاه إلي الإسراف في انفاق المال وتبذيره ، أو امساك المال والبخل في انفاقه والحرص علي اكتنازه حتي يؤدى وظيفته حين يتم التعامل فيه باعتدال .

            ومن المنظور الاسلامي فإن الانسان مطلوب منه أن يهون علي نفسه من الأمور التي تخص المال ولا ينزعج للمكسب أو الخسارة ، ولا يساوره القلق بشأن المال لأن الرزق مكفول ومقدر ، ولا يعتمد فقط علي السعي أو الحيلة ، ويؤكد ذلك قوله تعالي : " وفي السماء رزقكم وما توعدون " وقوله تعالي : " أن الله يرزق من يشأ بغير حساب " .. وهذا كفيل بأن يهدئ من روع الذين يقلقون بشأن المستقبل واحتمالات الخسائر المادية التي تهدد بالفقر والحاجة رغم أن الرزق من عند الله سبحانه وتعالي ، ونذكر هنا رؤية الإمام علي بن أبي طالب حول الحيلة في الرزق التي يلجأ إليها الكثير من الناس للحصول علي المال بأية وسيلة حين ذكر أن الرزق نوعان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، ولا شك أن في حياة كل منا مثالاً علي كسب مادى غير متوقع حصلنا عليه ، وآخر حاولنا بالجهد الحصول عليه فأمكننا أو لم يمكننا ذلك .

الصفحة الرئيسية